تتّسم بيئة الأعمال المعاصرة بتغيّرات متلاحقة يصعب التنبؤ بها. ولكي تحقق الشركات نمواً مستداماً، لا يكفي التمسك بتجارب النجاح السابقة، بل لا بد من الإقدام بجرأة على مجالات مجهولة. والقوة الدافعة وراء هذا الإقدام هي ما تسميه شركتنا "جينزاي" (人財)، أي الموظف الذي يتصرف دون خوف من الفشل.
يشرح هذا المقال رؤية شركة INA أند أسوشيتس (INA&Associates) وممارساتها حول سبب كون "الموظف المُقدِم على التحدي" هو من يصنع مستقبل المؤسسة، وكيف ينبغي تنمية هذا النوع من الموظفين وترسيخه كثقافة تنظيمية راسخة.
لماذا أصبح "الموظف المُقدِم على التحدي" مطلوباً اليوم؟
في عصر يوصف غالباً بأنه عصر "فوكا" (تقلب وعدم يقين وتعقيد وغموض)، لا غنى للشركات عن الابتكار المستمر إن أرادت الحفاظ على ميزتها التنافسية وتحقيق نمو مستدام. والابتكار لا يولد إلا من أفكار ومحاولات جديدة تتجاوز الأطر القائمة.
مدى قدرة كل موظف على مواجهة تحديات خلق قيمة جديدة دون خوف من الفشل يحدد إلى درجة كبيرة مستقبل الشركة. والمؤسسات القادرة على الصمود في هذا العصر تحتاج إلى موظفين لا ينتظرون التعليمات، بل يكتشفون المشكلات بأنفسهم ويبادرون إلى حلّها، وهذا بالضبط ما نعنيه بـ"الموظف المُقدِم على التحدي".
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكتابة اليابانية تميز بين مصطلحين متجانسين في النطق لكنهما مختلفان في المعنى: "جينزاي" التقليدي (人材) الذي يُكتب بحرف "زاي" بمعنى "مادة أو مورد"، وينظر إلى الموظف كأداة إنتاج قابلة للاستبدال، مقابل "جينزاي" (人財) الذي تستخدمه شركتنا، ويُكتب بحرف "زاي" بمعنى "ثروة أو أصل مالي"، وينظر إلى الموظف كأصل حقيقي تستثمر فيه المؤسسة وتنمّيه على المدى الطويل. هذا التمييز اللغوي خاص باليابانية ولا مقابل مباشر له في العربية، لكنه يلخّص فلسفة الشركة بأكملها: الإنسان ثروة وليس مجرد مورد يُستهلك.
وبالمقارنة مع سوق العمل في دول الخليج، حيث لا تزال بعض المؤسسات تعامل الموظف الوافد كـ"مورد مؤقت" يُستبدل بسهولة عند انتهاء العقد، فإن التحول نحو النظر إلى الموظف كأصل طويل الأمد يمثل تحدياً ثقافياً مشابهاً لما تواجهه اليابان، وإن اختلفت الأسباب التاريخية.
| الموظف التقليدي | الموظف المُقدِم على التحدي | |
|---|---|---|
| العقلية | ميل إلى الاستقرار، تجنّب الفشل | ميل إلى النمو، التعلّم من الفشل |
| السلوك | انتظار التعليمات، اتّباع السوابق | استقلالية، مبادرة في التصرف |
| الإسهام في المؤسسة | الحفاظ على الوضع الراهن، تحسين الكفاءة | ابتكار، خلق قيمة جديدة |
كيف تُبنى ثقافة مؤسسية تُنمّي "الأصل البشري"؟
لتنمية "الموظف المُقدِم على التحدي"، يُعدّ ترسيخ ثقافة مؤسسية يشعر فيها الموظفون بالأمان عند خوض التحديات أهم عامل على الإطلاق. وضمن سعي شركتنا لأن تصبح "الشركة الأولى عالمياً في الاستثمار في الأصل البشري"، نولي اهتماماً خاصاً لعنصرين: "ثقافة تقبّل الفشل" و"الأمان النفسي".
ثقافة تقبّل الفشل
لا تحدٍ بلا فشل. فمن يخشى الفشل لا يستطيع أبداً أن يخطو خطوة جديدة. وفي شركتنا، ننظر إلى الفشل باعتباره غذاءً للنمو، فلا نلوم من فشل بعد أن حاول، بل نُقدّر شجاعته على المحاولة نفسها. وتحويل الفشل إلى درس يقود إلى نجاح لاحق، عبر دورة تُدار على مستوى المؤسسة بأكملها، هو التربة الخصبة التي ينبت فيها الابتكار. وهذا يختلف عن بعض بيئات العمل في منطقة الخليج التي لا تزال تربط الخطأ المهني بعقوبة فورية أو بتقييم سلبي دائم، بدلاً من معاملته كفرصة تعلّم.
الأمان النفسي
من الضروري أيضاً توفير بيئة يستطيع فيها الموظفون طرح آرائهم وأفكارهم دون تردد، أي ما يُعرف بـ"الأمان النفسي". فحين لا يخشى أحد اللوم أو الرفض من الآخرين، ويستطيع الجميع التعبير عن رأيهم والنقاش بحرية، تتلاقى وجهات نظر متنوعة وتولد أفكار خلّاقة. وتعمل شركتنا على بناء تنظيم أفقي يستطيع فيه الجميع، بصرف النظر عن المنصب أو المرتبة الوظيفية، تبادل الآراء على قدم المساواة. وهذا يتباين مع الهيكل الهرمي الصارم الشائع في كثير من الشركات العائلية الخليجية، حيث يصعب على الموظف الأصغر سناً أو الأدنى رتبة الاعتراض على رأي المدير أو صاحب العمل.
ما الذي تقصده INA&Associates عملياً بـ"الاستثمار في الأصل البشري"؟
شركة INA أند أسوشيتس ليست مجرد شركة عقارية. فهي تُعرّف نفسها بأنها "شركة استثمار في الأصل البشري"، انطلاقاً من قناعة بأن أهم أصول أي مؤسسة هو هذا الأصل البشري ذاته. ولا نسعى إلى تحقيق أرباح قصيرة الأجل، بل نحن على يقين بأن السعي لنمو ورفاهية كل من يرتبط بالشركة هو ما يرفع قيمتها على المدى البعيد.
في عملية التوظيف، نُعطي أولوية للتوافق مع رؤية الشركة وقيمها، وللنزاهة والموقف الإيجابي، أكثر من المهارات والخبرة وحدها. وبعد الالتحاق بالشركة، نوفر برامج تدريب وإرشاد (منتور) شاملة لدعم نمو كل فرد إلى أقصى حد، ونتيح بيئة يستطيع فيها كل موظف بناء مسيرته المهنية بمبادرة ذاتية. فتوفير مسرح يستطيع فيه كل موظف أن يتألق كـ"موظف مُقدِم على التحدي" هو، برأينا، أهم مسؤولية تقع على عاتق الإدارة. وعلى النقيض من بعض ممارسات التوظيف في الخليج التي تعطي وزناً كبيراً للشهادات والخبرة السابقة فقط، فإن الأولوية هنا للموقف والقيم الشخصية، وهو نهج يستحق التأمل من جانب الشركات الإقليمية الساعية لجذب كفاءات شابة.
خلاصة
تناول هذا المقال التحول الذي يحدثه "الموظف الذي لا يخشى التحدي" في المؤسسة، وأهمية الثقافة المؤسسية اللازمة لتنمية هذا النوع من الموظفين. ولتجاوز عصر التغيّر السريع وصناعة المستقبل، لا غنى عن إرادة قوية من الإدارة تدعم إقدام كل موظف على التحدي، وعن ثقافة مؤسسية تسند هذه الإرادة.
وتأمل شركة INA أند أسوشيتس أن تظل، دون كلل، تستثمر في "الأصل البشري"، وأن تستمر في النمو جنباً إلى جنب مع كل من يرتبط بها.
فإن كنت من الإداريين الذين يفكرون بجدية في مستقبل مؤسستهم، أو ممن يبحثون عن تحدٍ جديد في مسيرتهم المهنية، فلا تتردد في طرق أبواب شركة INA أند أسوشيتس. ونحن نتطلع بصدق إلى لقاء زملاء جدد يشاركوننا صناعة المستقبل.
الأسئلة الشائعة
س1. ما هي الإدارة القائمة على الأصل البشري تحديداً؟
هي أسلوب إداري ينظر إلى الموظفين باعتبارهم "رأس مال" للمؤسسة، ويسعى إلى رفع قيمة الشركة على المدى المتوسط والبعيد من خلال إطلاق أقصى طاقاتهم. ويشمل ذلك دعم تطوير المهارات، وتهيئة بيئة عمل مريحة، وتعزيز إجراءات رفع درجة الارتباط الوظيفي.
س2. كيف تُبنى ثقافة مؤسسية تشجع على خوض التحديات؟
الأهم هو ترسيخ ثقافة تتقبل الفشل وتُقدّر الإقدام على التحدي. ولا غنى أيضاً عن تهيئة بيئة عالية الأمان النفسي يستطيع فيها الموظفون التعبير عن آرائهم بثقة. كما أن إظهار الإدارة نفسها لموقف يبادر بالتحدي هو أحد الوسائل الفعّالة.
س3. ما نوع الموظفين الذين تبحث عنهم INA&Associates؟
نبحث عن أشخاص يتوافقون مع رؤية الشركة، ويتعاملون مع العمل بنزاهة وإيجابية، أكثر من التركيز على المهارات والخبرة فقط. ونتطلع إلى صناعة المستقبل مع من لا يخشى الفشل ويسعى دوماً إلى تجربة أمور جديدة.
س4. ما أول خطوة على الإدارة اتخاذها لرفع مستوى الأمان النفسي؟
الخطوة الأولى أن يشارك المدير نفسه قصص فشله بصراحة، ويُظهر بأفعاله رسالة مفادها أن "الفشل ليس نهاية العالم". كذلك من المفيد اعتماد آليات تتيح لكل الحاضرين في الاجتماعات فرصة الحديث بوعي.
س5. كيف يمكن التوفيق بين ثقافة التحدي والانضباط المؤسسي؟
تشجيع ثقافة التحدي لا يعني السماح بالفوضى. فبعد الاتفاق على رؤية واضحة ومبادئ عمل محددة، يُشجَّع التحدي المستقل ضمن هذا الإطار. وحين تكون القيم المشتركة هي المحور، يمكن للانضباط والتحدي أن يتعايشا معاً.
