بعد جائحة كورونا، أصبح العمل عن بُعد جزءًا راسخًا من واقع الشركات، وباتت الشركات مطالبة باكتشاف الكوادر المتميزة وتقييمها بدقة حتى في غياب اللقاء المباشر. تؤمن INA بأن «نمو الشركة ينبع من نمو كل موظف على حدة»، ولذلك تنظر إلى موظفيها ليس كقوة عمل فحسب، بل بوصفهم أصلًا لا يُقدَّر بثمن، أي «الكوادر البشرية الثمينة». يتناول هذا المقال، انطلاقًا من هذه الفلسفة الإدارية القائلة إن «الكوادر البشرية هي جوهر قيمة الشركة»، كيفية تمييز الكفاءات المتميزة في عصر العمل عن بُعد.
ما التحديات والحلول المتعلقة بتقييم الأفراد في بيئة لا تجمعهم وجهًا لوجه؟
في العمل عن بُعد، ينبغي زيادة وتيرة التواصل ثنائي الاتجاه، واعتماد معايير تقييم موضوعية وإدارة بالأهداف، للتغلب على صعوبة قراءة الإشارات غير اللفظية.
في العمل عن بُعد، تقل فرص رؤية المدير أو الزملاء لأداء المرؤوس مباشرة، ما يخلق تحديات خاصة في تقييم الأفراد. فالمعلومات غير اللفظية كتعابير الوجه والسلوك، التي تكون متاحة بسهولة في اللقاء المباشر، يصعب رصدها عبر الإنترنت، وقلة التواصل قد تولّد سوء فهم متبادل. كما يصعب تقييم أسلوب العمل والالتزام في الأداء، وبالتالي يصعب تقدير الجوانب غير المرتبطة بالنتائج مباشرة، مثل العملية والحرص المهني. وتزداد أهمية معالجة هذا الجانب في بيئة العمل الخليجية التي اعتادت تاريخيًا على أسلوب إدارة قائم على الحضور المكتبي والعلاقات الشخصية المباشرة؛ فالانتقال إلى معايير مكتوبة وموضوعية يمثل تحولًا ثقافيًا لا يقل أهمية عن التحول التقني ذاته.
ومن الحلول الفعالة لهذه التحديات ما يلي:
- زيادة وتيرة التواصل: عقد اجتماعات دورية فردية (1:1) واجتماعات فريق عبر الإنترنت، لخلق فرصة لمشاركة حالة العمل والصعوبات.
- توضيح معايير التقييم ومشاركتها: تحديد مسبق لما سيُقيَّم وكيف، وتعميمه على الجميع. فمعايير التقييم الموضوعية، كدرجة تحقيق الأهداف، تكتسب أهمية خاصة في العمل عن بُعد.
- اعتماد الإدارة بالأهداف (MBO): تبني نظام إدارة بالأهداف يقيّم الأداء وفق نتائج متفق عليها بين المدير والمرؤوس، بما يسهّل التقييم العادل بصرف النظر عن مكان العمل.
- «إظهار» مسار العمل: اعتماد التقارير اليومية والأسبوعية لتوثيق ما يصعب رصده من جهد وعملية في العمل المنزلي، لتكون مادة يستند إليها المدير في تقييم جهد المرؤوس ونموه.
ما الأساليب الخاصة بالمقابلات وعمليات الاختيار عبر الإنترنت؟
في التوظيف عبر الإنترنت، يُعد استخدام المقابلة المنظّمة (مقابلة STAR) وسيلة فعالة لتمييز المرشحين اعتمادًا على المعلومات اللفظية، كما أن مشاركة المعلومات مسبقًا وعقد لقاءات مع عدة موظفين يعمّق التفاهم المتبادل.
لتمييز الكفاءات المتميزة، لا غنى عن أساليب خاصة بالإنترنت في مقابلات وعمليات اختيار التوظيف. فبخلاف اللقاء المباشر، لا يستطيع المرشح استشعار أجواء الشركة بنفسه، لذلك من المفيد إرسال مواد تعريفية عن الشركة أو مقالات مدونة التوظيف قبل المقابلة، لمساعدته على فهم ثقافة الشركة ورؤيتها.
ومن أساليب الاختيار الفعالة استخدام المقابلة المنظّمة (مقابلة STAR). ففي المقابلة عبر الإنترنت، حيث لا يمكن الاعتماد كثيرًا على المعلومات البصرية كتعابير الوجه والإيماءات كما في اللقاء المباشر، تزداد أهمية تمييز المرشح اعتمادًا على المعلومات اللفظية. فمن خلال تفكيك تجربة محددة من الماضي وفق تسلسل (الموقف، والمهمة، والإجراء، والنتيجة)، يمكن فهم سمات سلوك المرشح وقيمه بموضوعية.
كما أن ترتيب عدة جلسات مقابلة عبر الإنترنت مع موظفين مختلفين يتيح تقييم شخصية المرشح ومدى ملاءمته لثقافة الشركة من زوايا متعددة. وتلجأ شركات متزايدة إلى اختبارات القياس النفسي عبر الإنترنت، ما يتيح اختيار الكفاءات المتميزة من مجموعة واسعة من المرشحين بصرف النظر عن الموقع الجغرافي. وهذا التوجه يتماشى مع اتساع نطاق التوظيف عبر الحدود في الخليج، حيث تعتمد كثير من الشركات على كوادر من جنسيات متعددة تعمل من دول مختلفة، ما يجعل أدوات المقابلة الموضوعية أداة أساسية لتجاوز الفوارق الثقافية واللغوية بين المرشحين.
كيف يمكن إظهار الأداء وتقييمه في بيئة العمل عن بُعد؟
يكمن مفتاح إظهار الأداء في توظيف مؤشرات الأهداف والنتائج الرئيسية (OKR) ولوحات مؤشرات الأداء (KPI) لتحقيق «إظهار» فوري، مع تقصير دورة التقييم لتقديم تغذية راجعة متكررة.
في بيئة العمل عن بُعد، يصبح «إظهار» النتائج بوضوح جوهر تقييم الكوادر. فتبني آلية تربط أهداف الفريق والفرد على غرار (الأهداف والنتائج الرئيسية OKR) ومشاركة التقدم، يسهّل فهم كيفية إسهام كل فرد في الهدف العام. كما تتيح مشاركة حالة إنجاز المهام عبر لوحات مؤشرات الأداء أو أدوات إدارة المشاريع إظهارًا فوريًا للنتائج.
وتعتمد INA نظامًا يوظّف كوادر متميزة مقيمة في الأقاليم لإدارة عقارات وسط المدينة عن بُعد. فتوظيف التقنية لإزالة الحواجز الجغرافية، وتهيئة بيئة يستطيع فيها أي فرد أن يبرز طالما حقق النتائج بصرف النظر عن موقعه، هو ما يُمكّن من استخلاص القيمة الحقيقية للكوادر البشرية.
كما يُعد نظام التغذية الراجعة في التقييم أمرًا مهمًا. فبعض الشركات تقصّر دورة التقييم وتقدّم تغذية راجعة متكررة، عبر متابعة التقدم نحو الأهداف شهريًا وتقديم النصح، لتسريع الدورة. والحفاظ على حماس الموظفين وارتباطهم عن بُعد يستلزم مشاركة سريعة لنتائج التقييم.
كيف يمكن تمييز الاستقلالية والنزاهة والانسجام مع رسالة الشركة؟
تُعد المقابلة السلوكية التي تستكشف مواقف الماضي، مع فحص القدرة على إدارة الذات، ومقابلة تقيس مدى الانسجام مع رسالة الشركة، أدوات فعالة لتمييز المبادرة والنزاهة.
في الفلسفة الإدارية لـ INA، تُعتبر الاستقلالية (روح المبادرة)، والنزاهة، والانسجام مع الرسالة سمات الكوادر التي تخلق قيمة حقيقية للشركة. ومن الأساليب العملية لذلك:
- طرح أسئلة سلوكية عن المبادرة والنزاهة: استكشاف شخصية المرشح من خلال مواقف سلوكية سابقة، لتقدير قدرته على العمل باستقلالية والوفاء بمسؤولياته بنزاهة.
- فحص القدرة على إدارة الذات: في بيئة العمل عن بُعد الكامل، «الحرية تعني المسؤولية الذاتية». فطرح أسئلة عن إدارة الوقت وترتيب أولويات العمل يقيس مدى قدرة المرشح على إدارة ذاته.
- قياس مدى الانسجام مع القيم والرسالة: من خلال أسئلة مثل «ما رأيك في رؤية شركتنا؟» أو «أين تلتقي فلسفتك في العمل مع قيم شركتنا؟»، يُطلب من المرشح التعبير عن قيمه الخاصة.
كما تلجأ شركات متزايدة، في التوظيف عبر الإنترنت، إلى التحقق من المراجع من خلال الاستماع لزملاء ومديرين سابقين حول نزاهة المرشح وأدائه. وتحظى هذه المعايير باهتمام خاص في أسواق الخليج التي تشهد تنافسًا محتدمًا على الكفاءات ضمن برامج التوطين، إذ يصبح تقييم الانسجام مع رسالة الشركة أداة تكمّل - لا تنافس - معايير الجنسية والخبرة التقليدية في قرار التوظيف.
كيف يمكن قياس مدى التوافق مع ثقافة الشركة وقيمها عبر الإنترنت؟
يُعد نشر ثقافة الشركة مسبقًا عبر الإعلام المملوك ووسائل التواصل، وتنظيم جولات افتراضية للمكتب ولقاءات حوارية مع عدة موظفين، وسيلة مهمة للتحقق المتبادل من مدى التوافق الثقافي.
في التوظيف عن بُعد، يصعب تقدير مدى ملاءمة المرشح لثقافة الشركة وقيمها. ففي الحالات التي يُصدر فيها عرض التوظيف بناءً على مقابلة إلكترونية فقط، قد ينضم المرشح دون أن يفهم أجواء الشركة وبيئة العمل بشكل كافٍ، ما يحمل خطر اكتشاف عدم التوافق لاحقًا.
من الوسائل الفعالة نشر ثقافة الشركة عبر الإعلام المملوك ووسائل التواصل الاجتماعي. فتقديم محتوى متنوع للمرشح، كمدونة تعرض فعاليات داخلية وآراء الموظفين، وفيديوهات تتحدث عن الرؤية وأسلوب العمل، ورسائل من الإدارة العليا. كما تفيد جولات افتراضية للمكتب أو لقاءات تعارف عبر الإنترنت. وتُعد اللقاءات الحوارية مع عدة موظفين وسيلة فعالة أيضًا للتحقق من التوافق الثقافي.
وحيثما أمكن، فإن تنفيذ «فترة عمل تجريبية» أو تدريب عملي عن بُعد، يتيح للمرشح تجربة العمل الفعلي والتواصل الداخلي لفترة قصيرة، ما يقلل كثيرًا من خطر عدم التوافق بعد الانضمام الرسمي.
كيف يمكن الاستفادة من الأدوات الرقمية في تقييم كفاءة الكوادر وتقديم التغذية الراجعة؟
يمكن رفع دقة التقييم عبر توظيف اختبارات القياس النفسي بالذكاء الاصطناعي وأنظمة تقييم الأداء السحابية، مع مراعاة التوازن بين الخصوصية والثقة، وعدم إغفال أن القرار النهائي يبقى بيد الإنسان.
في عصر تقييم الكوادر عن بُعد، تتوفر أدوات وتقنيات رقمية متنوعة. ففي مرحلة التوظيف، ظهرت اختبارات قياس نفسي مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وأخرى بصيغة ألعاب لقياس القدرات المعرفية والقيم. وفي مرحلة تقييم الأداء أيضًا، انتشرت أنظمة التقييم السحابية وأدوات التحليل، وتُستخدم لتحليل القواسم المشتركة بين الموظفين ذوي الأداء المتميز وإظهار مستوى الحماس.
غير أن استخدام الأدوات الرقمية يستوجب أيضًا مراعاة التوازن بين الخصوصية والثقة. فالمراقبة المفرطة قد تولّد شعورًا بعدم الثقة لدى الموظفين وتضعف حماسهم. لذلك من المهم إبقاء التقنية أداة مساعدة لتمكين الكوادر وتقييمهم بعدل، لا أكثر.
ما آفاق تأمين الكوادر البشرية في بيئة العمل الهجين؟
في عصر العمل الهجين، ستكون الشركات التي تهيئ بيئة يستطيع فيها أي فرد أن يبرز بصرف النظر عن موقعه، وتوازن بين التقييم العادل ومرونة أسلوب العمل، هي التي تختارها الكفاءات المتميزة.
أصبح العمل الهجين، الذي يجمع بين العمل المنزلي الكامل والحضور المكتبي، هو النمط السائد حاليًا. ومع تراجع القيود الجغرافية، يمكن تأمين كوادر متميزة عبر المناطق والحدود، لكن التنافس بين الشركات على استقطاب المواهب سيزداد اشتعالًا. وللنجاح في هذا السياق، يصبح تبني نهج «يضع الكوادر البشرية والثقة في محور الإدارة» أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالشركة التي تهيئ بيئة يستطيع فيها أي فرد أن يبرز بصرف النظر عن موقعه، وتستخلص أقصى إمكانات كل موظف حتى عن بُعد، هي التي ستُختار في هذا العصر.
إن الإيمان بأن الكوادر البشرية هي مصدر قيمة الشركة الحقيقي لا يتزعزع في أي عصر. وعلى الشركات، وهي تستخدم التقنية، ألا تغفل المنظور الذي يضع الإنسان في المركز، بل عليها أن تطوّر باستمرار أنظمة التقييم والتأهيل. وفي دول الخليج، حيث تتنافس المدن الكبرى كالرياض ودبي وأبوظبي والدوحة على استقطاب المواهب العالمية عبر تأشيرات الإقامة الذهبية وحوافز متنوعة، يصبح تبني نماذج العمل المرن ميزة تنافسية إضافية لجذب الكفاءات، لا مجرد ترتيب تشغيلي داخلي.
الأسئلة الشائعة
كيف يمكن إجراء تقييم أداء عادل في بيئة العمل عن بُعد؟
من الفعال اعتماد الإدارة بالأهداف (MBO) أو (OKR) للتقييم استنادًا إلى مؤشرات نتائج موضوعية. إضافة إلى ذلك، فإن تقصير دورة التقييم وتقديم تغذية راجعة شهرية، مع عقد اجتماعات فردية دورية، يجعل التقييم العادل والمقنع ممكنًا حتى عن بُعد.
ما السر في تمييز جوهر شخصية المرشح خلال مقابلة عبر الإنترنت؟
من الفعال توظيف المقابلة المنظّمة (مقابلة STAR) وتفكيك تجربة محددة من الماضي وفق تسلسل منطقي. كما يُنصح بترتيب لقاءات غير رسمية مع عدة مسؤولي مقابلات وزملاء مستقبليين، لتقييم شخصية المرشح ومدى ملاءمته لثقافة الشركة من زوايا متعددة.
كيف يمكن تفادي عدم التوافق الثقافي في العمل عن بُعد؟
من المهم نشر الصورة الحقيقية للشركة عبر الإعلام المملوك ووسائل التواصل الاجتماعي، وإتاحة الفرصة للمرشح لتلمّس ثقافة الشركة عن طريق جولات افتراضية للمكتب ولقاءات حوارية مع الموظفين. وحيثما أمكن، فإن تنفيذ «فترة عمل تجريبية» عن بُعد يقلل كثيرًا من خطر عدم التوافق بعد الانضمام.
