ربما لاحظتَ يومًا لوحًا حجريًا منقوشًا عليه حرفان يابانيان يُقرآن «teisō (定礎)» مثبتًا في جدار مبنى مكتبي أو عمارة سكنية أو مدرسة في اليابان. إنه مشهد مألوف، ومع ذلك قلّة من الناس يستطيعون شرح الغرض الحقيقي من وجوده. هذه العلامة الحجرية ظاهرة يابانية خاصة لا يجد القارئ في الخليج والعالم العربي مقابلًا مطابقًا لها تمامًا، وإن كانت تقاطعاتها مع تقليد «وضع حجر الأساس» المعروف لدينا كثيرة. في هذا المقال نبدأ بإجابة موجزة عن معنى «teisō» وطريقة نطقه، ثم ننتقل إلى سبب تثبيته، وتاريخه، ومحتويات لوح التأسيس وصندوقه، وموعد فتحه، وصولًا إلى مراسم التأسيس، وكل ذلك من منظور مختص في العقارات يخاطب المستثمر الدولي المهتم بالسوق الياباني.
«teisō (定礎)» كلمة يابانية تعني «تحديد الحجر الأساس (ishizue، أي الحجر الذي يقوم عليه البناء)»، وقد تُطلق أيضًا على اللوح الحجري نفسه المسمّى «teisō-ban (定礎板)» الذي يُثبَّت في جدار المبنى تخليدًا لهذا الحدث. ويُنطق الحرفان «teisō». يُوضع هذا اللوح إحياءً لمراسم تُسمى «teisō-shiki (定礎式)»، وهي طقس يُقام تمنيًا لسلامة الأعمال الإنشائية ودوام ازدهار المبنى، وقد يُدفن خلف اللوح صندوق يحفظ وثائق تلك الحقبة يُسمى «teisō-bako (定礎箱)»، فيؤدي دور الكبسولة الزمنية. لا يوجد إلزام قانوني بتثبيته، بل هو عُرف قديم ما زال متوارثًا حتى اليوم. وهنا يبرز أول فارق جوهري يهمّ القارئ في منطقة الخليج ومجلس التعاون: فبينما ترتبط مراسم وضع حجر الأساس لدينا غالبًا برعاية رسمية أو ملكية لمشروع كبير وتُقام في بداية العمل، فإن «teisō» الياباني تحوّل عبر الزمن إلى شعيرة أقرب إلى التخليد منها إلى البدء، وغالبًا ما تُقام في مرحلة متأخرة من الإنشاء لا في بدايته.
أبرز نقاط هذا المقال
- «teisō» يُنطق «تِيسو»، ويحمل معنى تحديد الحجر الأساس (الحجر الذي يقوم عليه البناء)، وهو لوح حجري تذكاري.
- هو تخليد لمراسم التأسيس التي يُتمنّى فيها سلامة العمل وطول عمر المبنى، ولا يوجد التزام قانوني بتثبيته.
- قد يُدفن خلف لوح التأسيس صندوق «teisō-bako» يضمّ مخططات وصحفًا وعملات معدنية من تلك الحقبة.
- يُفتح صندوق التأسيس من حيث المبدأ عند إعادة بناء المبنى أو هدمه فحسب.
- موضع التثبيت اليوم قرب المدخل الرئيسي في الغالب، أما قديمًا فكانت الزاوية الجنوبية الشرقية هي الشائعة.
ما هو «teisō»؟ النطق والمعنى
«teisō» يعني تحديد الحجر الأساس (ishizue) الذي يُوضع في أساس المبنى، ويُطلق الاسم على اللوح الحجري المثبَّت في الجدار تخليدًا لذلك. لنبدأ أولًا بضبط طريقة النطق والمعنى الأصلي الذي تحمله الكلمة، لأن فهم الجذر اللغوي يفتح الباب لفهم لماذا صار هذا التقليد جزءًا من هوية العمارة اليابانية.
يُنطق «teisō» أي «تِيسو»
يُقرأ «定礎» على النحو «teisō». وقد يُقرأ أحيانًا «jōseki» أو «jōso»، لكن القراءة الصحيحة هي «teisō». وبما أن الكلمة نادرة الاستعمال في الحياة اليومية، فمن الطبيعي أن يتردد كثير من الناس في نطقها؛ وهذا الالتباس في القراءة نفسه شبيه بما يحدث مع بعض المصطلحات الوقفية والمعمارية العتيقة في تراثنا العربي التي تُقرأ اليوم بأكثر من وجه.
معنى «teisō»: «تحديد الحجر الأساس»
«teisō» تعني حرفيًا «تحديد الأساس (ishizue)». والـ«ishizue» هو الحجر القاعدي الذي يُوضع تحت العمود. ففي العمارة الخشبية اليابانية القديمة، كان نصب العمود مباشرةً في الأرض يعرّض الخشب لامتصاص رطوبة المطر والثلج فيتلف ويصير عرضة لأضرار النمل الأبيض. لذلك كانوا يضعون الحجر القاعدي ويقيمون العمود فوقه فيطول عمر المبنى. وهذا الحل الإنشائي يذكّرنا بحكمة معمارية موازية في العمارة التقليدية بالجزيرة العربية، حيث رُوعيت مواد وأسس تقاوم رطوبة الساحل وحرارة الصحراء لإطالة عمر البناء.
لقد كان فعل تحديد موضع هذا الحجر القاعدي هو نقطة الانطلاق في صناعة المبنى. ولهذا صار «الأساس (礎)» يُستعمل مجازًا بمعنى «جوهر الأمر وأصله»، تمامًا كما نقول في العربية «حجر الزاوية» و«اللبنة الأولى». فـ«teisō» كلمة تختزن بدء المبنى، وتودع فيه أمنية أن يدوم هذا المبنى طويلًا.
لماذا يُثبَّت «teisō»؟
الغرض من تثبيت «teisō» هو التمني بسلامة الإنشاء وازدهار المبنى، وتوثيق هذه المحطة المعمارية في السجل. وما يميّزه أنه لا يحمل وظيفة عملية نفعية، بل معنى التخليد والدعاء. وهنا يلمس المستثمر الأجنبي فارقًا ثقافيًا لطيفًا: ففي حين يميل السوق العقاري في الخليج إلى قراءة كل عنصر في المبنى بلغة المنفعة والعائد، يحتفظ التقليد الياباني بعنصر رمزي محض لا يضيف مترًا مربعًا ولا وظيفة، لكنه يضيف سردية وذاكرة للأصل العقاري.
معنى تخليد المباشرة والدعاء
تُبنى المباني الحديثة بالخرسانة المسلحة أو الهيكل الفولاذي، ولم تعد هناك حاجة تقريبًا لحماية الأعمدة الخشبية بحجر قاعدي. ومن الناحية التقنية وحدها يمكن القول إن الدور النفعي لوضع الحجر قد تلاشى. ومع ذلك، تبقى الأمنية ثابتة: أن ينتهي العمل بسلامة، وأن يُستعمل المبنى طويلًا. ولوح التأسيس يحمل مهمة نقل هذه الأمنية وهذه المحطة المعمارية إلى الأجيال اللاحقة، على نحو يشبه قيمة «البركة» و«الأثر الطيب» التي نحرص عليها في افتتاح المشاريع في مجتمعاتنا.
لذلك صار «teisō» في السنوات الأخيرة أقرب إلى تخليد الاكتمال منه إلى إشارة بدء العمل. تُقام المراسم بعدما يتقدم البناء إلى حدٍّ معيّن، ويُوثَّق أن المبنى قد اتخذ صورته بسلام. هذه الصفة «التذكارية» صارت هي جوهر «teisō» المعاصر. وهذا التحوّل نفسه — من طقس بداية إلى طقس ذروة — يقلب الترتيب الذي اعتاده القارئ الخليجي، إذ يأتي «وضع حجر الأساس» عندنا في المستهل عادةً لا قرب الختام.
تصميم لوح التأسيس والتاريخ المنقوش عليه
يُصنع لوح التأسيس غالبًا من حجر أسود أو رمادي أو بنّي، وقد يُختار حجر أبيض أو مادة من الفولاذ المقاوم للصدأ بما يتناسب مع المبنى. وتُنقش الحروف عادةً بالخط الياباني الرسمي «minchō (明朝, خط طباعي كلاسيكي)» دون تلوين في الغالب، فقد لا يكون اللوح لافتًا للنظر تبعًا للون الحجر.
وفي الغالب الأعم يُنقش على اللوح تاريخ. كان يُنقش قديمًا تاريخ المباشرة، لكن — كما سيأتي — صار من الشائع نقش تاريخ مراسم التأسيس. وتتنوع طريقة الكتابة من مبنى إلى آخر: بالتقويم الميلادي أو بالتقويم الإمبراطوري الياباني «wareki (和暦)»، وقد يُكتفى بالشهر أو يُدرَج اليوم كذلك. وهذا التعدد في التقويمين يذكّر القارئ العربي بازدواجية التقويمين الهجري والميلادي في وثائقنا الرسمية.
وفي الآونة الأخيرة كثرت ألواح التأسيس التي تتحرر من الشكل التقليدي: منها ما يُرفق بفلسفة الشركة أو حكمة مأثورة، ومنها ما يكتب «teisō» بالحروف الهجائية اليابانية اللينة «hiragana»، ومنها ما يرسم نقوشًا بالبلاط. فحرية التصميم صارت واسعة. وهناك ألواح هادئة من الفولاذ المقاوم للصدأ، بل ومنها ما لا يحمل حرفَي «定礎» أصلًا، بحيث لا ينتبه المرء إلى أنه لوح تأسيس إلا إن دقّق النظر. حتى إن بعضهم يجعل من البحث عن أشكال هذه الألواح متعةً وهو يتجول في المدينة، فالأحياء التي تكتظ بالمباني والمنشآت غنيّة بمثل هذه التفاصيل. وبالنسبة للمستثمر الذي يقتني أصلًا في وسط طوكيو، فإن هذه التفاصيل السردية تشكّل قيمة ثقافية مضافة قد تعزز جاذبية العقار لدى مستأجرين أو مشترين يقدّرون التمايز الثقافي الياباني.
أين يُثبَّت «teisō»؟
لا توجد قاعدة صارمة لمكان تثبيت «teisō»، لكن الشائع اليوم وضعه في مكان بارز قرب المدخل الرئيسي. أما قديمًا فكان يُعدّ من المعتاد وضعه في الزاوية الجنوبية الشرقية للمبنى؛ إذ يُعتبر الشمال الشرقي «kimon (鬼門، بوابة الشياطين في المعتقد الشعبي)» والجنوب الغربي «ura-kimon (裏鬼門، البوابة الخلفية للشياطين)»، فيُتجنّبان، وتُعدّ الجهة الجنوبية الشرقية اتجاهًا ميمونًا. غير أن هذا عُرف لا قاعدة صريحة بشأن الاتجاهات. وهنا مقارنة تهم القارئ المسلم في الخليج: فبينما يقوم اختيار اتجاه الزاوية في اليابان على معتقدات الاتجاهات الميمونة والمنحوسة، يقوم ترتيب المباني في عالمنا على اعتبار مختلف تمامًا هو اتجاه القبلة والمصلى، فالبُعد الرمزي في الحالتين حاضر لكن مرجعيته مغايرة كليًا. ولا يقتصر التثبيت على العمارات والمباني السكنية، بل يشمل المدارس والمستشفيات والمراكز التجارية دون قيد على نوع المبنى.
تاريخ «teisō» وأصله
لا يعود أصل «teisō» إلى اليابان، بل يُرجَّح أنه يمتد إلى العمارة الحجرية في الشرق الأدنى القديم. أما ترسّخه في اليابان فحديث نسبيًا، إذ يعود إلى حقبة «meiji (明治، عصر التحديث الياباني 1868–1912)» فما بعد.
الجذور في بلاد الرافدين القديمة
يُرجَّح أن جذور «teisō» تعود إلى العمارة الحجرية في حضارة بلاد الرافدين (ميزوبوتاميا) قبل آلاف السنين. فقد كان الحجر القاعدي يُعامَل حينها كنقطة مرجعية عند الشروع في البناء. ثم يُعتقد أن الأمر تطوّر في عهد الإغريق القدماء والرومان إلى طقس يُنقش فيه علامة على الحجر المرجعي للمبنى، ويُدعى فيه بأن يكتمل العمل دون عائق وأن يدوم المبنى طويلًا. ولعل في هذا ما يقرّب المعنى إلى القارئ العربي، فمنطقتنا نفسها امتداد لهذا الشرق القديم الذي انبثقت منه تقاليد تكريس المباني ووضع أُسسها، وإن اختلفت الصياغات عبر القرون.
ترسّخه في اليابان في حقبة «meiji»
انتشر «teisō» في اليابان في حقبة «meiji». ففي خضم التحديث بعد فتح البلاد على العالم، أُقيمت مبانٍ غربية كثيرة، ويُقال إن ثقافة «teisō» انتقلت عبر المهندسين المعماريين الغربيين الذين تولّوا التصميم والإشراف. كذلك يُقال إن عُرف صندوق التأسيس الذي يُودَع خلف اللوح بدأ في أواخر حقبة «meiji». ومع مرور الزمن تغيّرت هيئة التثبيت شيئًا فشيئًا، حتى صار يُوضع في مرحلة إنجاز البناء لا عند المباشرة. وهذه القصة — تبنّي اليابان لتقليد وافد وصهره في هويتها المعمارية — تشبه ما شهدته مدننا الخليجية حين استوعبت طرزًا معمارية وافدة وأعادت تشكيلها بروح محلية.
ما الذي يوجد داخل لوح التأسيس وصندوقه؟
قد يكون خلف لوح التأسيس وعاء يُسمى «teisō-bako (定礎箱)»، تُودَع فيه وثائق تلك الحقبة وتذكاراتها. ولعل هذا هو أكثر جوانب «teisō» إثارةً للفضول، وهو الجانب الذي يجعل من كل مبنى ياباني قديم أرشيفًا صغيرًا مخبوءًا في جداره.
أين يوجد صندوق التأسيس؟
يُدفَن لوح التأسيس في جدار المبنى، ويُودَع صندوق التأسيس خلفه. وتُصنع مادة الصندوق غالبًا من النحاس أو الفولاذ المقاوم للصدأ لمتانتهما ضد التآكل، وقد يكون من الخشب. وقد صُمّم بعناية لرفع درجة الإحكام حتى تُصان الوثائق في داخله طويلًا. وهذا الاهتمام بإحكام الحفظ يوازي، من حيث الغاية، عناية دور الوثائق والأرشيفات في بلداننا بحفظ المخطوطات في بيئات مضبوطة الرطوبة.
أبرز ما يُودَع في صندوق التأسيس
لا توجد قاعدة تحدد ما يُوضع في صندوق التأسيس، لكن تُختار أشياء تنقل صورة المبنى وقت البناء إلى الأجيال اللاحقة، فهي تؤدي دورًا يشبه الكبسولة الزمنية. ومن أبرز ما يُودَع فيه:
- مخططات تصميم المبنى.
- لوحة معدنية منقوش عليها أسماء المالك والقائمين على البناء.
- صور من أثناء الإنشاء أو عند الاكتمال.
- صحيفة اليوم الذي أُقيمت فيه مراسم التأسيس.
- عملات معدنية وورقية كانت متداولة آنذاك.
- تعويذة «ujigami-sama (氏神様، الإله الحامي المحلي في الشنتو)».
- مجلات أو أشياء ترمز إلى تلك الحقبة.
ولم يعد الأمر مقتصرًا على المباني الكبيرة كالعمارات والمصانع، بل صار يُشاهَد في السنوات الأخيرة في المنازل الفردية المستقلة كذلك. وتميل محتوياته حينئذ إلى ما يخصّ ذلك البيت: مخطط المنزل، وصحيفة يوم الاكتمال، وصور العائلة، ورسائل الأبناء، وغيرها من السجلات الخاصة. فلا صواب واحد فيما يُوضع، والأفضل اختيار ما يتيح للعائلة، حين تفتحه يومًا ما، أن تستعيد تلك الأيام. وهذه الفكرة تلقى صدى لدى الأسر الخليجية الحريصة على توثيق ذاكرتها العائلية وتوريثها عبر الأجيال، ولو عبر وسائط مختلفة.
وللحفاظ على الوثائق المودعة بحالة جيدة مدةً طويلة، لا غنى عن اختيار صندوق عالي الإحكام والاحتراس من الرطوبة. وبما أن الأوراق تتلف بمرور الزمن، فمن الأحوط لفّ الصور والمستندات بمادة متينة قدر الإمكان.
متى يُفتح صندوق التأسيس؟
يُفتح صندوق التأسيس من حيث المبدأ عند إعادة بناء المبنى أو هدمه. وليس نادرًا أن يُفتح لأول مرة بعد عقود من تثبيته، بل بعد قرابة قرن في المباني الكبيرة. وهذا الأفق الزمني الطويل — عقود بل قرن — يختلف عن نمط العمران المتسارع الذي اعتادت عليه المدن الخليجية الحديثة، حيث تُهدَم المباني وتُجدَّد أحيانًا خلال جيل واحد.
لذا تصير محتويات صندوق التأسيس وثيقة تاريخية ثمينة تستحضر تلك الحقبة. وقد يُعثر على صندوق التأسيس أثناء دراسة كيفية سير أعمال الهدم وحسابات تكلفتها لمبنى عريق، فيُتناوَل الخبر في وسائل الإعلام. وقد اكتُشفت فعلًا صناديق تأسيس في مبانٍ من مختلف أنحاء اليابان حتى اليوم.
صندوق التأسيس الخشبي في المبنى رقم 5 لديوان محافظة ميازاكي
في محافظة ميازاكي، عُثر على صندوق تأسيس مصنوع من خشب الباولونيا «kiri (桐)» أثناء أعمال «hikiya (曳家، نقل مبنى بأكمله من موضعه دون هدمه)» للمبنى رقم 5 التابع للمحافظة، وهو مبنى شُيّد عام 1926 ليكون مقرًا لمصرف ميازاكي الزراعي الصناعي سابقًا. كان هذا المبنى يُستعمل مركزًا لوثائق المحافظة، لكن نظرًا لإنشاء مبنى مركز إدارة الكوارث في موقعه، جرى نقله بطريقة «hikiya» حفاظًا على العمارة التاريخية للأجيال اللاحقة. وقد ضمّ الصندوق المودَع خلف لوح التأسيس لوحةً فضية تخليدًا للتأسيس، وصحيفةً من الحقبة يُعتقد أنها تعود إلى يوم إقامة المراسم، وعملات معدنية كانت متداولة. وقد حُفظت المحتويات التي فُتحت بعد نحو تسعين عامًا وعُرضت كوثائق تنقل إلينا صورة المبنى وقت بنائه.
صندوق التأسيس النحاسي في المبنى الرئيسي القديم لشركة IBM اليابان
في المبنى الرئيسي القديم لشركة IBM اليابان (اكتمل عام 1971) الذي هُدم في إطار إعادة التطوير، عُثر خلف لوح التأسيس على صندوق تأسيس نحاسي. وضمّ الصندوق المحكم الإغلاق صحفًا يومية وأخرى بالإنجليزية عند الاكتمال، وصحيفة متخصصة في قطاع البناء، إضافةً إلى مخططات تصميم المبنى، وصور عند الإنجاز، ولوحة نحاسية منقوش عليها أسماء المعنيين. وقد أُفيد بأن وثائق قيّمة من منظور التاريخ المعماري قد تأكدت، من بينها توقيع المعماري الباقي على المخططات. ويُقال إن وجود صندوق التأسيس لم يكن معروفًا كثيرًا حتى داخل الشركة، فارتفعت أصوات الدهشة عند فتحه.
صندوق تأسيس من حقبة «meiji» اكتُشف في جامعة طوكيو
في جامعة طوكيو، عُثر على صندوق تأسيس معدني من الأساس الآجرّي للمكتبة القديمة التي احترقت في زلزال «kantō» الكبير، وذلك ضمن مسح رافق أعمال إنشاء المكتبة الجديدة. وكان في داخله لوح معدني ملفوف في الجريدة الرسمية «kanpō (官報)» الصادرة سنة 23 من حقبة «meiji» (أي 1890)، نُقش عليه اكتمال قاعة مكتبة الجامعة الإمبراطورية، واسم المشرف على الأعمال والمصمم. وبما أن هوية المصمم لم تكن محددة حتى ذلك الحين، حظي الاكتشاف باهتمام بوصفه وثيقة ثمينة. فحالات تأكّد صناديق التأسيس في مبانٍ من حقبة «meiji» قليلة، ويُعدّ ذلك اكتشافًا مهمًا في تتبّع تاريخ العمارة اليابانية.
صندوق تأسيس عُثر عليه عند إعادة بناء حرم جامعي
في حرم نيياغاوا التابع لجامعة أوساكا للاتصالات الكهربائية أيضًا، أُخرج صندوق تأسيس معدني من خلف لوح التأسيس قُبيل هدم مبنى المدرسة الذي اكتمل عام 1967. وقد ضمّ الصندوق المزدوج لوحةً معدنية، وبطاقات تعريف للأشخاص الذين شاركوا في البناء، ومخططات إنشاء الحرم، وعملات معدنية كانت متداولة آنذاك، وصحيفة يوم الإنجاز. وقد استُقبلت هذه الوثائق التي رقدت نصف قرن باعتبارها سجلات ثمينة تنقل إلينا تلك الحقبة.
تروي هذه الاكتشافات أن صندوق التأسيس ليس مجرد تذكار، بل هو كذلك وثيقة تاريخية تنقل سجل تلك الحقبة إلى حاضرنا. ومع تسارع إعادة بناء المباني القديمة في العاصمة وسائر الأنحاء، قد يكون صندوق تأسيس ما يُفتح الآن في مكان ما. إنه شاهد يعلّمنا في هدوء قيمة الزمن الذي راكمه المبنى نفسه — وهي رسالة تلامس المستثمر الباحث عن أصول ذات عمق تاريخي وسردية موثّقة، لا مجرد مساحة مبنية.
ما هي مراسم التأسيس «teisō-shiki»؟
«teisō-shiki (定礎式)» طقس يُقام تزامنًا مع تثبيت لوح التأسيس في المبنى، يُدعى فيه بسلامة العمل وازدهار المبنى. وكثيرًا ما يُقام باستدعاء كاهن «shintō» من المعبد ليتولّاه، ويُصنَّف ضمن الشعائر المرتبطة بالبناء. وهنا يجدر بالقارئ المسلم أن يستحضر أن هذا طقس ديني ينتمي إلى ديانة «shintō (神道)» اليابانية، فهو معلومة ثقافية تُفهَم في سياقها المحلي لا شعيرة يُتبنّى مضمونها، تمامًا كما نتعرّف على تقاليد الشعوب دون أن نتبنّى معتقداتها.
موعد إقامة مراسم التأسيس
«teisō» في الأصل تحديد للأساس، فكان المنطق أن تُقام في وقت المباشرة. لكن لعدم وجود مرحلة وضع حجر قاعدي في أساليب البناء الحديثة، صار من المعتاد إقامتها حين يدخل العمل مرحلة الإنجاز، أو قبيل الاكتمال. ولهذا السبب لا يكون التاريخ المنقوش على اللوح بالضرورة تاريخ المباشرة. وهذه نقطة عملية تهم المستثمر: فقراءة تاريخ لوح «teisō» لا تصلح وحدها لتقدير عمر المبنى الفعلي أو تاريخ بدء إنشائه.
الخطوط العريضة لسير مراسم التأسيس
في مراسم التأسيس، تُجرى قبل تثبيت اللوح شعيرة تطهير، ويُدعى بسلامة العمل وطول عمر المبنى. وعند استدعاء الكاهن، يُبدأ بشعيرة «shubatsu (修祓، تطهير أجساد الحاضرين وأرواحهم)»، ثم شعيرة استقبال الإله «kōshin»، وتقديم القرابين «kenshin (献饌)»، وإنشاد دعاء التبريك «norito (祝詞)»، ثم يُنتقل إلى شعيرة التأسيس ذاتها.
وفي شعيرة التأسيس، يُتلى كلام يُتمنّى فيه دوام ازدهار المبنى، ثم يُرفع الستار الذي يغطي لوح التأسيس، ويُصبّ الملاط (المونة) في موضع التثبيت ليُستقرّ اللوح. ويُتأكَّد من استواء اللوح أفقيًا وعموديًا قبل إنهاء التركيب؛ هذا هو التسلسل الأساسي. وفي ختام المراسم، يقدّم الحاضرون غصن «tamagushi (玉串، غصن مقدّس من شجر الساكاكي يُقدَّم قربانًا)» داعين بحفظ الأرض والمعنيين، وتُجرى شعيرة توديع الإله. غير أن هذه صور نمطية فحسب، وكثيرًا ما تُبسَّط تبعًا لطبيعة المبنى ورؤية المالك.
الفرق بينها وبين «jichinsai» و«jōtōshiki»
في المحطات المعمارية طقوس أخرى إلى جانب مراسم التأسيس، ويسهل الخلط بينها، فلنوضّح الفروق:
- «jichinsai (地鎮祭)»: يُقام قبل الشروع في العمل، ويُبلَّغ فيه إله الأرض بالبناء، ويُدعى بسلامة الإنشاء (يوازي في التوقيت وضع حجر الأساس لدينا).
- «jōtōshiki (上棟式)»: يُقام في أثناء البناء عند اكتمال تركيب الهيكل، شكرًا على إتمام رفع العارضة العليا بسلامة، ودعاءً بالأمان فيما بعد.
- «shunkō-shiki (竣工式)»: طقس يُبلَّغ فيه الإله باكتمال العمل، وغالبًا ما تُقام مراسم التأسيس قبله (يوازي حفل الافتتاح المعروف لدينا).
فبينما يحتفي «jichinsai» بـ«البداية» و«shunkō-shiki» بـ«الاكتمال»، تقع مراسم التأسيس بينهما كمحطة تُخلَّد فيها ذكرى المبنى. وهذا التقسيم الثلاثي — بداية ووسط ونهاية — يمنح دورة حياة المشروع الياباني إيقاعًا شعائريًا متدرجًا يفوق في تفصيله ما اعتاده كثير من المشاريع في منطقتنا.
هل هناك التزام قانوني بتثبيت «teisō»؟
لا يوجد التزام قانوني بتثبيت «teisō». فهو غير مطلوب في قانون معايير البناء الياباني ولا في غيره، بل يُقام كعُرف قديم لا أكثر. والقرار في تثبيته من عدمه، وفي موضع تثبيته، متروك لاجتهاد صاحب البناء. ولذلك توجد مبانٍ كثيرة بلا «teisō». وهذا يعني للمستثمر الأجنبي أن غياب لوح التأسيس ليس مؤشرًا سلبيًا على جودة المبنى أو نظاميته إطلاقًا، بل هو مجرد خيار ثقافي اختياري.
هل يجوز تثبيت «teisō» في المنزل الخاص؟
لا مانع البتة من وضع «teisō» أو صندوق تأسيس في منزل مستقل. فهناك من يرى فيه دعاءً بسلامة العمل، أو كبسولة زمنية تستحضر زمن البناء وتغدو متعةً للعائلة مستقبلًا. وعند التثبيت، يُوضع عادةً لوح تأسيس منقوش عليه تاريخ الإنجاز واسم المالك قرب المدخل أو في الزاوية الجنوبية الشرقية. وهناك من يختار الموضع مراعيًا «kasō (家相، علم توجيه المنزل الياباني)» أو «fūsui (風水، الفنغ شوي)». وهنا يظهر تقاطع طريف مع اهتمام بعض ملّاك الفلل في الخليج بتوجيه بيوتهم، وإن اختلفت المرجعية بين المعتقدات الاتجاهية اليابانية وبين اعتبارات القبلة والخصوصية والتشميس لدينا.
ويُقال إن المنازل المستقلة تبلغ عادةً وقت إعادة البناء بعد عقود، فيمكن حينها التطلع إلى متعة فتح صندوق التأسيس مع صاحب البناء نفسه أو الجيل التالي. وإذا أحاط المرء مبكرًا بـتكاليف إعادة البناء وطريقة تنفيذها، صار وضع مثل هذه الخطط أيسر. بل إن وقت التشاور العائلي حول ما يُوضع في الصندوق قد يكون بذاته فرصة لتعميق التعلّق بالمسكن.
ملاحظات من منظور مختص العقارات
من جهة أخرى، ومن زاوية النظر إلى المبنى بوصفه أصلًا، ثمة نقاط جديرة بالانتباه. فلوح التأسيس يُنقش عليه اسم المالك وتاريخ وما يتصل بالأفراد من معلومات، فإن بقي على حاله عند بيع المسكن، صارت المعلومات الشخصية عرضةً لأنظار الغير. ونحن في INA&Associates، حين نتلقّى استشارات البيع، نتحرّى التعامل مع مثل هذه المعلومات بعناية. وهذه المسألة تكتسب حساسية مضاعفة لدى شريحة كبار الملّاك (UHNWI) في الخليج، حيث تُعدّ خصوصية بيانات المالك والأسرة أولوية قصوى عند التصرّف في الأصول.
ومع أن «teisō» بذاته لا يرجّح كفة قيمة الأصل بشكل كبير، فإن قيمة المبنى تتغيّر بمرور الزمن. وإن فهم المرء كيف تتبدّل قيمة الأصل مع التقادم وكيف يُحافَظ عليها نفعه في السكن الطويل والتطلّع إلى البيع على حدٍّ سواء. فـ«teisō»، لأنه شاهد يوثّق الزمن الذي قطعه المبنى، جدير بأن يُنظَر إليه جنبًا إلى جنب مع المبنى بوصفه أصلًا استثماريًا.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
س1. هل يُلزم القانون بتثبيت «teisō»؟
لا يوجد التزام قانوني بتثبيت «teisō». فهو يُقام كعُرف معماري، والقرار في تثبيته من عدمه وفي موضعه متروك لاجتهاد صاحب البناء. ولذلك توجد مبانٍ كثيرة بلا «teisō».
س2. ما الذي يوجد داخل صندوق التأسيس؟
كثيرًا ما تُودَع فيه مخططات تصميم المبنى، وصحف تلك الحقبة، ولوحة معدنية منقوش عليها أسماء المعنيين، وعملات معدنية وورقية من ذلك الزمن. ولا قاعدة تحدد ما يُوضع فيه، بل تُختار أشياء تنقل صورة زمن البناء كالكبسولة الزمنية.
س3. متى يُفتح صندوق التأسيس؟
يُفتح صندوق التأسيس من حيث المبدأ عند إعادة بناء المبنى أو هدمه. وليس نادرًا أن يُفتح لأول مرة بعد عقود من التثبيت، بل بعد قرابة قرن في المباني الكبيرة، فيغدو وثيقة تاريخية ثمينة تستحضر تلك الحقبة.
س4. ماذا يمثّل التاريخ المنقوش على «teisō»؟
التاريخ المنقوش على «teisō» يشير في الغالب إلى يوم إقامة «مراسم التأسيس». كان يُنقش قديمًا تاريخ المباشرة، لكن بما أن المراسم تُقام في العصر الحديث في مرحلة الإنجاز غالبًا، فينبغي الانتباه إلى أنه ليس بالضرورة تاريخ المباشرة أو الاكتمال.
