الضغط الناتج عن أهداف يصعب تحقيقها، وعدم الاستقرار المرتبط بتقلبات السوق، وثقافة مؤسسية يصعب القول إنها تمنح تقييماً عادلاً؛ في ظل بيئة كهذه، ألا تمر بلحظات ينتابك فيها قلق غامض حيال مسيرتك المهنية ومستقبلك، بل وتكاد تفقد فيها شغفك بالعمل نفسه؟ أنا شخصياً أدرك قسوة هذا القطاع عن تجربة مباشرة.
ومع ذلك، أقولها بثقة: لا مشكلة إطلاقاً إن كنت تمرّ حالياً بصعوبات. فتلك التجربة هي حجر الشحذ الذي لا بديل عنه لصقل ما نسميه "الأصل البشري" فيك. غير أن هناك شرطاً واحداً حاسماً لا غنى عنه: تربة "ثقافة مؤسسية" تؤمن من صميمها بإمكانات الفرد، وتدعم إقدامه على التحدي بكل قوتها.
يتناول هذا المقال سبب وضعنا "الاستثمار في الأصل البشري" في صميم إدارتنا، وكيف تسهم "كلمات الإيمان بالإمكانات" في نهاية المطاف في بناء مؤسسة فائزة، إلى جانب الفلسفة التي نتبناها والممارسات الملموسة التي نطبقها.
ما التحديات البنيوية المتعلقة بـ"الإنسان" في قطاع العقارات؟
ينبع كثير من تحديات قطاع العقارات من ثلاثة عوامل بنيوية: النزعة القصيرة الأجل نحو تقييم النتائج، والهيكل التنظيمي التقليدي المتقادم، وبطء تبني التقنية. وهذه عوامل "بيئية" يصعب حلّها بجهد الفرد وحده.
رغم الصورة البرّاقة التي يبدو عليها قطاع العقارات من الخارج، فإنه في الواقع قطاع يحمل للعاملين فيه تحديات كثيرة. وهذه التحديات يصعب تجاوزها بجهد شخصي، إذ إنها قائمة كمشكلة بنيوية على مستوى المؤسسة بأكملها. ولنبدأ بمواجهة الحقيقة التي ينبغي أن نتصدى لها بصدق.
التحدي الأول: النزعة القصيرة الأجل نحو النتائج وثقافة "الاستهلاك ثم الاستغناء"
في كثير من شركات العقارات، ترتبط نتائج المبيعات الفصلية أو الشهرية ارتباطاً مباشراً بتقييم الموظف. وبطبيعة الحال، فإن تقييم الإنجاز بعدالة أمر مهم. لكن حين ينحاز محور التقييم بشكل مفرط نحو الأرقام قصيرة الأجل، يضطر الموظف إلى إعطاء الأولوية للتعاقد الفوري بدلاً من بناء علاقة ثقة طويلة الأمد مع العميل. والنتيجة أن الموظف الذي أنهكه العمل جسدياً ونفسياً يُعامَل باعتباره "موظفاً لا يحقق أرقاماً"، فيغادر الشركة. وأرى أن ثقافة "الاستهلاك ثم الاستغناء" هذه هي أحد أكبر الأسباب التي تُضعف صورة القطاع بأكمله وتعرقل بقاء الكفاءات المتميزة فيه. وفي المقابل، تعتمد بعض الشركات الكبرى في دول الخليج نظام مكافآت سنوية مرتبطة بأهداف بعيدة المدى إلى جانب المبيعات الشهرية، وهو ما يخفف قليلاً من هذا الضغط القصير الأجل، وإن لم يحلّ المشكلة جذرياً.
التحدي الثاني: الهيكل التنظيمي التقليدي المتقادم وانسداد مسار التطور المهني
لا يزال الهيكل التنظيمي الهرمي المتّجه من أعلى إلى أسفل متجذراً بقوة في قطاع العقارات. إذ يُطلب من الموظف تنفيذ التعليمات الصادرة من الأعلى بأمانة، بينما تبقى فرصة الموظفين الشباب أو ميدانيي العمل لاقتراح أفكارهم الخاصة وخوض التحدي محدودة للغاية. كما أن مسار التطور المهني نمطي في الغالب، وغالباً ما لا يتوفر سوى مسار واحد: "تحقيق نتائج في المبيعات ثم الترقي إلى منصب مدير". وهذا الانسداد في مسار التطور المهني هو بالضبط ما يدفع الكفاءات الأكثر طموحاً للنمو إلى العزوف عن القطاع. ويشبه هذا ما تواجهه بعض المؤسسات العائلية في الخليج، حيث تظل المناصب القيادية العليا محجوزة تقليدياً لأفراد العائلة المالكة، بصرف النظر عن كفاءة الموظف الوافد أو المواطن غير المرتبط بالعائلة.
التحدي الثالث: بطء تبني التقنية وبيئة عمل غير كفؤة
رغم الاهتمام المتزايد في السنوات الأخيرة بما يُعرف بـ"تقنية العقارات"، فإن تبني التقنية على مستوى القطاع بأكمله لا يزال في مراحله الأولى. فما زالت العقود الورقية والعمل الميداني اليدوي لجمع المعلومات هما السائدان، وهو ما يستهلك وقتاً طويلاً في مهام غير كفؤة كان يمكن للتقنية أن تحل محلها.
وبيئة العمل غير الكفؤة هذه تجعل ساعات العمل الطويلة أمراً معتاداً، وتسلب الموظفين الوقت والطاقة اللازمين للانخراط في عمل إبداعي. ينبغي استخدام التقنية لا لاستبدال الإنسان، بل لتمكينه من التركيز على عمل أكثر إنسانية وإبداعاً. وأنا على يقين بأن هذا التحول في التفكير هو ما سيُحدث تغييراً حقيقياً في القطاع. ومن اللافت أن بعض الأسواق العقارية الخليجية الناشئة قفزت مباشرة إلى منصات رقمية متكاملة للمعاينة الافتراضية والتوقيع الإلكتروني، متجاوزةً بذلك مرحلة كاملة من التحول الرقمي التدريجي التي لا تزال اليابان تمر بها.
لماذا لا غنى عن فلسفة "شركة الاستثمار في الأصل البشري"؟
فلسفة إدارية تنظر إلى الإنسان لا باعتباره تكلفة بل "ثروة"، وتستثمر في نموه، هي الحل الجذري للتحديات البنيوية التي يواجهها قطاع العقارات. والتقنية ليست بديلاً عن الإنسان، بل جناح يتيح له التركيز على عمل أكثر إبداعاً.
في مواجهة هذه التحديات العميقة التي يعاني منها القطاع، نرفع رؤية واضحة مفادها أن نصبح "الشركة الأولى عالمياً في الاستثمار في الأصل البشري"، ونطرح نقيضاً لهذا الواقع. والكلمة التي نستخدمها، وهي "جينزاي" (人財)، ليست مجرد لعبة لغوية. فاليابانية تميز بين كتابتين متجانستين في النطق: "جينزاي" التقليدي (人材)، حيث يعني الحرف الثاني "مادة أو مورداً"، وينظر إلى الإنسان كأداة إنتاج قابلة للاستبدال، مقابل "جينزاي" (人財) الذي نستخدمه، حيث يعني الحرف الثاني "ثروة أو أصلاً مالياً"، وينظر إلى الإنسان كأصل ذي إمكانات لا حدود لها، وهو أثمن ما تملكه أي مؤسسة. وهذا التمييز اللغوي، الذي لا مقابل مباشر له في العربية، هو فلسفتنا الإدارية بحد ذاتها.
التقنية جناح "الأصل البشري"
نحن نتبنى بفاعلية أحدث التقنيات، وندفع بقوة نحو رفع كفاءة العمليات. فمن أنظمة تقييم العقارات بالذكاء الاصطناعي، إلى أنظمة المعاينة الافتراضية بتقنية الواقع الافتراضي، وأنظمة المتابعة الآلية للعملاء المرتبطة بإدارة علاقات العملاء (CRM)، وصولاً إلى منصات التوقيع الإلكتروني للعقود. هذه التقنيات تحرر الموظف من الأعمال الروتينية وساعات العمل الطويلة، لتمنحه جناحاً يتيح له التركيز على استشارة العملاء بعمق وخلق قيمة جديدة، أي المهام الجوهرية التي لا يستطيع أداءها سوى الإنسان. والوقت والراحة الذهنية اللذان تتيحهما التقنية يحفزان إبداع الموظف ويجعلان الاستثمار في نموه الذاتي ممكناً. والنتيجة هي تحقيق التوازن بين رفع رضا العملاء وتحقيق التوازن بين حياة الموظف العملية والشخصية في آن واحد.
كيف تصنع كلمات القائد مستقبل المؤسسة؟
"كلمات الإيمان بالإمكانات" التي يطلقها القائد هي ما يُخرج مبادرة الموظف، ويشكّل ثقافة مؤسسية قائمة على الأمان النفسي. فالأنظمة والآليات وحدها لا تكفي، وتراكم أقوال القائد وأفعاله اليومية هو ما يحدد ثقافة المؤسسة.
مهما كانت الأنظمة والآليات المطبقة متقنة، فإن المؤسسة لن تتغير جوهرياً ما لم يتغير وعي من يديرها، وبخاصة وعي القائد. فثقافة المؤسسة تتشكل من الكلمات التي يطلقها القائد يومياً، ومن تراكم أفعاله.
لماذا تهم "كلمات الإيمان بالإمكانات"؟
أهم ما أوليه اهتمامي كقائد هو الإيمان بإمكانات كل موظف بقوة تفوق إيمان أي شخص آخر. فأمام موظف يمر بموقف صعب، لا أستجوبه بسؤال "لماذا لا تستطيع؟"، بل أقف إلى جانبه بقول "أنت قادر على ذلك بالتأكيد، فلنفكر معاً أين تكمن العقبة". وحين لا تأتي النتيجة كما هو مأمول، لا أتخلى عنه بقول "ألم أقل لك؟"، بل أفكر معه في قيمة هذا التحدي، وما الذي يمكن تعلّمه من هذا الفشل، وكيف نستفيد منه في المرة القادمة. فالتعرض المستمر لوابل من الكلمات الإيجابية التي تؤمن بالإمكانات يجعل الإنسان يثق بالقوة الكامنة في داخله، ويمنحه شجاعة مواجهة الصعوبات. وهذا هو جوهر "الأمان النفسي" (Psychological Safety)، وشرط أساسي لا غنى عنه لولادة الابتكار داخل المؤسسة. وبالمقارنة مع أساليب القيادة السائدة في بعض بيئات العمل الخليجية التقليدية، حيث لا يزال التوبيخ العلني أمام الزملاء وسيلة شائعة للتصحيح، فإن نهج التشجيع الفردي الهادئ يمثل تحولاً ثقافياً ملحوظاً في أسلوب القيادة.
برامج تدريب القادة لصناعة قادة جدد
نولي اهتماماً كبيراً أيضاً لتنمية القادة. فحين يدرك القائد نفسه أهمية "الكلمات المؤمنة بالإمكانات" ويطبّقها فعلياً، ينتشر أثرها الإيجابي إلى كل زاوية من زوايا المؤسسة. وحين ينمو القادة، يولد قادة جدد، فتتكاثر المؤسسة القوية من تلقاء ذاتها.
خلاصة: قيمتك في السوق تحددها البيئة
عبر هذا المقال، تحدثنا عن التحديات التي يواجهها قطاع العقارات، وعن فلسفة شركتنا INA أند أسوشيتس في مواجهتها، وعن أهمية الثقافة المؤسسية التي تؤمن حتى النهاية بإمكانات "الأصل البشري".
وأخيراً، دعونا نعيد تلخيص النقاط الأساسية.
- ينبع كثير من تحديات قطاع العقارات من "بيئة" يصعب حلها بجهد الفرد وحده، مثل النزعة القصيرة الأجل نحو النتائج والهيكل التنظيمي التقليدي المتقادم.
- لكي تحقق المؤسسة نمواً مستداماً، لا غنى عن منظور "الاستثمار في الأصل البشري"، الذي ينظر إلى الموظف لا باعتباره "تكلفة" بل "ثروة"، ويستثمر في نموه.
- ينبغي استخدام التقنية لا لاستبدال الإنسان، بل كجناح يتيح له التركيز على عمل أكثر إبداعاً.
- "كلمات الإيمان بالإمكانات" التي يطلقها القائد هي ما يُخرج مبادرة الموظف، ويشجعه على خوض التحديات، ويصنع في نهاية المطاف ثقافة مؤسسية فائزة.
وإذا كنت تشعر بأنك لا تحصل على تقييم عادل في مكان عملك الحالي، وأن إمكاناتك مغلقة أمامك، فاعلم أن ذلك ليس بسبب ضعف قدراتك. فقد تكون المشكلة في تلك "البيئة" التي لم تُطلق قيمتك إلى أقصى حد. قيمتك في السوق تتغير بشكل كبير تبعاً للبيئة التي تضع نفسك فيها. وتجربتك، ومعاناتك، وشغفك الكامن بداخلك، ستُزهر حتماً إذا وجدت البيئة المناسبة. وإذا حرّكت فلسفتنا وطريقة تفكيرنا شيئاً في داخلك، ولو قليلاً، فلا تتردد في تخصيص وقت للتفكير بعمق في مسيرتك المهنية.
ونحن نساند من صميم قلوبنا كل تحدٍ جديد تخوضه.
الأسئلة الشائعة
س1. ما هو "الاستثمار في الأصل البشري" على وجه التحديد؟
ج1. هو تهيئة بيئة يُخصَّص فيها وقت الموظف، الذي أُتيح بفضل رفع كفاءة العمليات عبر التقنية، للنمو الذاتي وتطوير المهارات والاستشارة العميقة للعملاء. ويشمل ذلك أيضاً برامج تدريب القيادة ودعم التطور المهني.
س2. هل توجد بيئة يمكن أن يتألق فيها من لا خبرة له في قطاع العقارات؟
ج2. نعم. فنحن نُعطي أولوية للدافع نحو النمو والإمكانات أكثر من الخبرة السابقة. وقد هيأنا، بفضل التقنية، آليات تتيح لمن لا خبرة له إتقان العمل بكفاءة، ويقدم القادة والزملاء الأقدم دعماً كاملاً لنمو كل فرد.
س3. ما المقصود تحديداً بالمؤسسة ذات الأمان النفسي المرتفع؟
ج3. هي مكان عمل لا يُلام فيه الفشل، بل يُتقاسم باعتباره فرصة تعلّم. وهي بيئة يمكن فيها التعبير عن الآراء والأفكار الشخصية بثقة، وتُقيَّم فيها عملية خوض التحدي نفسها تقييماً عادلاً. وهي ليست بيئة "مريحة بلا معايير"، بل ثقافة يستمر فيها الجميع بالنمو مع مطالبة بعضهم البعض بمعايير عالية.
س4. هل هناك قلق من فقدان الوظائف بسبب إدخال التقنية؟
ج4. لا. فنحن ندخل التقنية لا لاستبدال الإنسان، بل لتمكينه من التركيز على عمل ذي قيمة مضافة أعلى. فحين يتحرر من الأعمال الروتينية، يستطيع تخصيص وقته لبناء علاقات الثقة مع العملاء وتطوير قدرته على الإقناع، أي المهام الجوهرية التي لا يستطيع أداءها سوى الإنسان.

