يتردد كثير من مُلّاك الأراضي في اليابان حول كيفية الاستفادة من قِطَع أرض غير مُستغَلّة. وإلى جانب تشييد مبنى سكني، يوجد خيار أقل تكلفة في مرحلته الأولى وهو «تأجير الأرض» ذاتها بدلاً من البناء عليها، غير أنّ عدداً غير قليل من المُلّاك يساورهم قلق من أنّ «الأرض المؤجَّرة قد لا تعود إليهم». وهذا القلق مفهوم تماماً للمستثمر الخليجي أو الشرق أوسطي، لأنّ منظومة حقوق المستأجر في اليابان تختلف جوهرياً عمّا اعتاد عليه في أسواق دول مجلس التعاون الخليجي؛ ففي اليابان يتمتّع مستأجر الأرض بحماية قانونية قوية قد تُقيّد حرّية المالك لعقود طويلة. في هذا المقال نشرح بالتفصيل طرق تأجير الأرض ومزاياها وعيوبها، إضافةً إلى نقاط الحذر اللازمة لتفادي النزاعات.
ما هي أنواع طرق تأجير الأرض في اليابان؟
قبل الدخول في التفاصيل، من المهم للقارئ الخليجي أن يدرك أنّ حق إيجار الأرض في اليابان (shakuchiken، 借地権) ليس عقداً عابراً بل «حقّاً عينياً» شبه دائم يُنظّمه Shakuchi Shakka Hō (借地借家法، قانون إيجار الأراضي والمباني). وهذا يختلف عن الشائع في الخليج، حيث يقوم البناء على أرض الغير غالباً عبر عقد «المساطحة» (musataha) أو الإجارة طويلة الأجل بمدد محدّدة تعود بعدها الأرض تلقائياً إلى مالكها. وينقسم النظام الياباني إلى نوعين رئيسيين.
الإيجار العادي للأرض (futsū shakuchi)
هو futsū shakuchi (普通借地، الإيجار العادي للأرض)، ويُبرَم لمدّة لا تقلّ عن 30 عاماً، على أن يكون التجديد الأول بعد 20 عاماً ثمّ كل 10 أعوام بعد ذلك. وإذا طلب المستأجر التجديد، فلا يمكن للمالك رفضه من دون «سبب مشروع» (seitō jiyū، 正当事由)، ولذلك قد لا تعود الأرض إلى صاحبها لفترة طويلة الأمد. وخلافاً لعقود الإيجار الخليجية التي تنتهي بانقضاء مدّتها المتّفق عليها، فإنّ هذا النوع الياباني يميل بقوّة لمصلحة المستأجر، وهو ما يفسّر مخاوف كثير من المُلّاك.
الإيجار محدّد المدّة للأرض (teiki shakuchi)
هو teiki shakuchi (定期借地، الإيجار محدّد المدّة للأرض)، وهو نظام أُضيف بموجب تعديل قانون إيجار الأراضي والمباني عام 1992 تحديداً لمعالجة إشكالية عدم عودة الأرض. وينقسم هذا الإيجار محدّد المدّة إلى ثلاثة أنواع: العام (ippan teiki shakuchi)، والمقترن بشرط نقل ملكية المبنى (tatemono jōto tokuyaku-tsuki shakuchi)، والمخصّص للاستخدام التجاري (jigyō-yō teiki shakuchi)، وفي جميعها تعود الأرض إلى مالكها بعد انتهاء مدّة العقد. ولعلّ هذا النوع هو الأقرب إلى ذهنية المستثمر الخليجي المعتاد على «المساطحة» محدّدة الأجل، إذ يجمع بين دخل ثابت واستعادة مضمونة للأصل.
ما هي مزايا وعيوب تأجير الأرض؟
المزايا
- دخل ثابت من دون تكلفة رأسمالية كبيرة: تأمين إيراد من بدل الأرض (chidai، 地代، أجرة الأرض) من دون الحاجة إلى تشييد مبنى
- استثمار فعّال للأرض الشاغرة: تجنيب الأصل حالة الجمود مع تغطية ضريبة الأصول الثابتة
- خيار التخلّص من الأرض أيضاً: كون الأرض قد لا تعود في الإيجار العادي يوافق حاجة من يرغب أصلاً في «التخلّي عن الأرض»
العيوب
- فقدان حرّية التصرّف في الأرض لمدّة طويلة: يتعذّر مبدئياً الفسخ في منتصف المدّة بمبادرة من المالك
- عائد أدنى من إدارة عقار إيجاري: يقتصر الدخل على بدل الأرض، وهو أقلّ من إيراد الإيجار المتأتّي من مبنى
- أثر ضعيف في التخطيط للميراث: مع أنّ القيمة التقديرية تنخفض، فقد تُقيَّم الأرض أحياناً أعلى من سعرها السوقي الفعلي
ما النقاط التي يجب معرفتها عند تأجير الأرض؟
① التأكّد من كون الأرض قابلة للبناء عليها
الأراضي الخاضعة لقيود بناء، مثل «منطقة ضبط التوسّع العمراني» (shigaika chōsei kuiki، 市街化調整区域، منطقة يُقيَّد فيها التحضّر)، يصعب إيجاد مستأجر لها، وتكون فرص الاستفادة منها محدودة من الأساس. لذا يلزم اتخاذ القرار مع أخذ خيار البيع في الحسبان. وهنا فارق مهم عن كثير من مناطق الخليج المخطّطة حديثاً، إذ إنّ الأراضي اليابانية تخضع لتقسيم استخدامات صارم يحدّد سلفاً ما يمكن بناؤه.
② تعذّر التصرّف الحرّ خلال مدّة العقد
بما أنّ الفسخ من طرف واحد غير ممكن، فادرس بعناية قبل التعاقد ما إذا كان الاستخدام طويل الأمد للأرض لن يطرح إشكالاً. فبخلاف مرونة كثير من عقود الخليج، يقيّد الالتزام الياباني المالك لسنوات طويلة.
③ تحرير عقد مكتوب لزاماً
رغم أنّ عقد إيجار الأرض ينعقد حتى بالاتفاق الشفهي، فإنّ تحرير عقد مكتوب أمر لا غنى عنه لتفادي النزاعات. ونوصي بالاستعانة بمختصّ (محامٍ أو كاتب عدل قضائي، shihō shoshi، 司法書士). وهذا الحرص على التوثيق ينسجم تماماً مع ما اعتاد عليه المستثمر الخليجي من ضرورة تسجيل الحقوق العينية رسمياً حمايةً للأصل.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
س. هل يُنتزع منّي الأرض فعلاً عند تأجيرها؟
في حالة الإيجار العادي للأرض (futsū shakuchi)، تكون مخاطرة عدم العودة مرتفعة. أمّا في عقد الإيجار محدّد المدّة (teiki shakuchi) فتعود الأرض حتماً بعد انقضاء المدّة. لذا من المهمّ اختيار نوع الإيجار وفقاً للهدف المنشود.
س. من يتحمّل ضريبة الأصول الثابتة؟
حتى في حال تأجير الأرض، يتحمّل مالك الأرض (المؤجِّر) ضريبة الأصول الثابتة (kotei shisan zei، 固定資産税، ضريبة سنوية على الأصول العقارية). والأصل أن يُحدَّد بدل الأرض بمبلغ يكفي لتغطية هذه الضريبة. ويجدر بالمستثمر الخليجي الانتباه إلى هذا العبء السنوي المتكرّر، إذ تخلو أغلب دول مجلس التعاون الخليجي من ضريبة عقارية سنوية دائمة على المالك، فهو التزام قد لا يكون مألوفاً في السوق المحلّي.
س. ما هو معدّل بدل الأرض السائد؟
يُتّخذ عموماً ما يعادل 3 إلى 5 أضعاف ضريبة الأصول الثابتة مؤشّراً تقريبياً، لكنّه يتفاوت تفاوتاً كبيراً بحسب المنطقة والاستخدام وشروط العقد.
س. هل يمكن الفسخ في منتصف المدّة في حالة عقد الإيجار محدّد المدّة؟
مبدئياً لا يمكن للمؤجِّر الفسخ من طرف واحد. وفي حال وجود ظرف قاهر، يلزم فسخ العقد بالتراضي مع المستأجر.
