"هذا المشروع لن يُعتمد"، "ما زلت غير جاهز لهذا". لا شك أن كثيرين منا مروا في بيئة العمل بتجربة سماع كلمات رافضة كهذه. رفضٌ واحد قد يترك أثرًا عميقًا في نفوسنا، حتى يصل بنا الأمر يومًا إلى الاقتناع بأن "المحاولة لا جدوى منها على أي حال"، فتتلاشى الرغبة في خوض التجربة من أساسها. هذا ليس مجرد تقلب مزاجي عابر، بل حركة نفسية إنسانية عامة يمكن تفسيرها علميًا من خلال علم النفس.
نحن في شركة INA&Associates نتبنى رؤية أن نصبح "الشركة الأولى عالميًا في الاستثمار في الإنسان"، ونسعى إلى مجتمع يستطيع فيه كل فرد أن يُطلق إمكاناته إلى أقصى حد. ولتحقيق ذلك، لا بد من فهم الحواجز النفسية التي تعيق الإقدام على المحاولة، واكتساب المعرفة اللازمة لتجاوزها. في هذا المقال نشرح، من منظور علم النفس، الآلية التي يدفع بها الرفضُ العقلَ إلى حالة "الدفاع"، ويمحو بها خيار المحاولة من الأساس. ونأمل أن يكون هذا المقال عونًا لمن يعمل في تنمية الموارد البشرية، أو لمن يسعى إلى تطوير ذاته.
ما هي آليات الدفاع النفسي؟ ولماذا يعيق درع العقل الواقي الإقدام على المحاولة؟
آليات الدفاع النفسي هي عمليات نفسية لا واعية تحمي العقل من القلق والضغط النفسي. غير أن هذا "الدرع النفسي"، حين يعمل بإفراط، قد يتحول هو نفسه إلى عائق أمام النمو والرغبة في خوض التجارب الجديدة.
حين نواجه موقفًا صعبًا أو ألمًا نفسيًا، يسعى العقل بلا وعي إلى حماية الذات. وهذه الآلية النفسية هي ما أطلق عليه سيغموند فرويد، مؤسس التحليل النفسي، اسم آليات الدفاع.
وقد صنّف الطبيب النفسي في جامعة هارفارد جورج فايلانت آليات الدفاع بحسب درجة نضجها، وهذا التصنيف مفيد جدًا في فهمنا الموضوعي لحالتنا النفسية.
| التصنيف | الخصائص | أمثلة محددة |
|---|---|---|
| دفاع غير ناضج | يشوّه الواقع بشدة لحماية الذات. يريح على المدى القصير، لكنه يُبعد عن حل المشكلة الفعلي ويحمل خطرًا عاليًا على العلاقات الإنسانية. | الإنكار: رفض الاعتراف بوجود المشكلة أصلًا. الإسقاط: الشعور بأن مشاعري السلبية موجودة عند الطرف الآخر. |
| دفاع عصابي | كبت المشاعر القلقة أو تبريرها بأسباب تبدو منطقية. يسمح بالتكيّف مع الحياة الاجتماعية، لكن الصراع الداخلي يبقى غالبًا قائمًا لدى الشخص. | التبرير العقلاني: اختلاق أسباب تبرر الفشل. تكوين رد الفعل العكسي: اتخاذ سلوك معاكس تمامًا للمشاعر الحقيقية. |
| دفاع ناضج | يقبل الواقع ويحوّل الضغط النفسي إلى طاقة بنّاءة. يؤدي إلى استقرار نفسي ونمو وعلاقات إنسانية جيدة. | التسامي: تحويل المشاعر السلبية إلى سلوك ذي قيمة اجتماعية. الفكاهة: تحويل الموقف الصعب إلى ضحك وتخفيف حدّته. |
عند تلقي ملاحظة سلبية، يميل كثيرون بلا وعي إلى اللجوء إلى "دفاع غير ناضج" أو "دفاع عصابي". فمثلًا، أمام انتقاد صارم من مدير، قد يُبرر الشخص الأمر بقوله "المشكلة في أسلوبه لا في مضمون كلامه"، أو ينكر الأمر بقوله "لا أحد يقدّر عملي"، وبذلك يخفف الألم النفسي مؤقتًا. غير أن ردود الفعل هذه لا تحل المشكلة من جذورها، بل تغلق الباب أمام المحاولة القادمة بيد الشخص نفسه. هذه الآلية النفسية عابرة للثقافات، وتظهر في بيئات العمل في الخليج والشرق الأوسط بالقدر نفسه الذي تظهر به في اليابان، رغم اختلاف أسلوب التعبير عن الرفض بين ثقافة تفضّل المواجهة المباشرة وأخرى تميل إلى التلميح. فمهما اختلفت طريقة صياغة النقد من ثقافة إلى أخرى، يبقى أثره النفسي على من يتلقاه واحدًا في جوهره: تفعيل درع الدفاع نفسه، سواء وصل الرفض بلهجة صريحة أو بعبارة مواربة.
لماذا ينشأ العجز المُتعلَّم؟ نفسية الاستسلام القائلة "المحاولة لا جدوى منها"
العجز المُتعلَّم هو حالة يتعلّم فيها الشخص، من خلال تكرار التجارب السلبية، أن "جهدي لا يستطيع تغيير النتيجة". ومن يقع في هذه الحالة يعجز عن التحرك حتى لو أتيحت له فرصة جديدة للمحاولة.
حين تتكرر التجارب السلبية، يحدث في نفوسنا تحوّل أعمق، هو ما يُعرف بحالة العجز المُتعلَّم. وهذا مفهوم طرحه عالم النفس مارتن سيليغمان، ويشير إلى الحالة التي يتعلّم فيها الشخص أن سلوكه وجهده لا يمكنهما التحكم في النتيجة، فيغرق في اللامبالاة تجاه كل موقف، وتتلاشى لديه الرغبة في المحاولة.
ومن يقع في هذه الحالة يفكر، عند مواجهة فرصة جديدة للمحاولة، بأن "الفشل سيتكرر على أي حال" أو أن "المحاولة لا جدوى منها"، فيستسلم قبل أن يتحرك أصلًا. وسبب ذلك أن التجارب السلبية السابقة رسّخت في إدراكه نمطًا مفاده أن "الجهد لا يرتبط بالنتيجة". ويربط علم النفس هذا النمط الفكري بما يُعرف بالعقلية الثابتة (Fixed Mindset).
والعجز المُتعلَّم لا يقتصر أثره على الفرد وحده، بل يمتد إلى المؤسسة بأكملها. ففي بيئة عمل لا تُقدَّر فيها المحاولة، ويُعاقَب فيها الفشل بقسوة، ينزلق الموظفون تدريجيًا إلى العجز المُتعلَّم، فتتلاشى ثقافة المحاولة من المؤسسة بأكملها، ويتوقف الابتكار، ويصبح النمو المستدام أمرًا بعيد المنال. وهذا التحدي ليس حكرًا على أي سوق عمل بعينه، فقطاعات كثيرة في اقتصادات الخليج التي تشهد تحولًا سريعًا نحو التنويع الاقتصادي وريادة الأعمال تواجه المعضلة نفسها حين تُفضَّل ثقافة تجنّب الخطأ على ثقافة المبادرة.
ما اللازم للانتقال من "الدفاع" إلى "المحاولة"؟
مفتاح كسر سلسلة الرفض يكمن في العقلية النامية (Growth Mindset) والأمان النفسي. الإيمان بأن القدرة تنمو بالجهد، إلى جانب بيئة مؤسسية تتيح المحاولة بأمان، هما ما يحوّلان الإنسان من موقف "الدفاع" إلى موقف "الإقدام".
العقلية النامية التي طرحتها عالمة النفس في جامعة ستانفورد كارول دويك هي الإيمان بأن "قدرات الإنسان وذكاءه يمكن أن تنمو بالجهد والخبرة". ومن يتبنى هذه العقلية لا يرى في الفشل دليلًا على نقص القدرة، بل فرصة تعلّم ثمينة على طريق النمو.
وحرصنا في INA&Associates على استخدام كلمة "رأس مال بشري" (jinzai) بدلًا من مجرد "موظف" نابع تحديدًا من وضعنا هذه العقلية النامية في صميم ثقافتنا المؤسسية. نحن نؤمن بالإمكانات اللامحدودة لكل موظف، ونشجّع على التصرف دون خوف من الفشل. فالفشل عندنا ليس نهاية الطريق، بل جزء من مسار الوصول إلى النجاح.
والتربة الضرورية لترسيخ هذه العقلية النامية في المؤسسة هي الأمان النفسي. والأمان النفسي هو الحالة التي يستطيع فيها كل فرد في المؤسسة أن يُعبّر عن رأيه ومشاعره أمام أي شخص دون قلق. وبشكل أدق، هو الشعور بأن سلوكًا ينطوي على مخاطرة في العلاقات الإنسانية لن يُقابَل بالسخرية أو العقاب داخل الفريق. وفي بيئة يتوفر فيها الأمان النفسي، يستطيع الموظفون طرح أفكار جديدة وإبداء آراء بنّاءة دون خوف من الفشل، وهذا ما يغذّي ثقافة المحاولة في المؤسسة بأكملها ويصبح محركًا للابتكار. هذا المفهوم يحمل دلالة خاصة في بيئات العمل متعددة الجنسيات المنتشرة في دول الخليج، حيث تتفاوت أعراف التعبير عن الرأي بين الثقافات، ويصبح الأمان النفسي شرطًا أساسيًا لكي يجرؤ الموظف القادم من خلفية ثقافية مختلفة على المشاركة بصراحة.
خلاصة: نحو ترسيخ ثقافة الإقدام على المحاولة
تناول هذا المقال، من زاوية آليات الدفاع النفسي والعجز المُتعلَّم ونظرية العقلية، كيف تدفع التجارب السلبية العقلَ إلى حالة "الدفاع" وتسلبه الرغبة في المحاولة. فالرفض يُفعّل آليات الدفاع بوصفها درعًا نفسيًا مؤقتًا، وتكرار ذلك يقود إلى العجز المُتعلَّم القائل بأن "المحاولة لا جدوى منها". ومفتاح كسر هذه الحلقة السلبية يكمن في التحول الفردي نحو العقلية النامية، وفي الأمان النفسي المؤسسي الذي يدعم هذا التحول.
نحن في INA&Associates نرى أن جوهر إدارة الأعمال ليس السعي وراء الربح قصير الأمد، بل تحقيق نمو مستدام في ظل رؤية واضحة. وفي صميم ذلك يقع تطوير "رأس المال البشري" الذي يواصل المحاولة. فالسماح بالفشل، وتهيئة بيئة يستطيع فيها كل موظف أن يُقدم بأمان، هما أضمن استثمار لفتح آفاق المستقبل. ونأمل أن يكون هذا المقال دافعًا لكل قارئ لإعادة النظر في أسلوب التواصل داخل مؤسسته أو فريقه، وخطوة نحو ترسيخ ثقافة تُقدّر المحاولة.
الأسئلة الشائعة
س1. هل آليات الدفاع النفسي أمر سيئ؟
ج1. آليات الدفاع النفسي في ذاتها ليست سيئة، بل استجابة طبيعية ضرورية لحماية النفس. المشكلة تكمن في الاستمرار على الاعتماد على آليات دفاع غير ناضجة، بحيث يعجز الشخص عن مواجهة الواقع ويفوّت فرص النمو. وباستخدام "الدفاع الناضج"، كالتسامي والفكاهة، بوعي، يمكن تحويل الضغط النفسي إلى طاقة بنّاءة.
س2. كيف يمكن الخروج من حالة العجز المُتعلَّم؟
ج2. أولًا، من المهم تراكم تجارب نجاح صغيرة. فمع استعادة الإحساس التدريجي بأن "الجهد يُغيّر النتيجة"، يبدأ التحول من العقلية الثابتة إلى العقلية النامية. كما أن دعم المحيطين وتوفر بيئة آمنة نفسيًا يعزّزان هذا التعافي.
س3. كيف يمنع القائد مرؤوسيه من الانزلاق إلى موقف "الدفاع"؟
ج3. الأهم هو إظهار موقف يُقدّر عملية المحاولة نفسها بدلًا من لوم الفشل. كما ينبغي أن تركّز الملاحظات على السلوك لا على شخصية الفرد، مع تبنّي حوار تشاركي يبحث سويًا عن اتجاه ملموس للتحسين.
س4. ما أول خطوة لبناء مؤسسة ذات أمان نفسي عالٍ؟
ج4. أن يبادر القائد نفسه إلى مشاركة نقاط ضعفه وإخفاقاته بصراحة. فحين لا يتظاهر القائد بالكمال، ويتحدث عن دروس تعلّمها من فشله، يشعر أعضاء الفريق بالأمان الكافي لإبداء آرائهم والإقدام على المحاولة.
مقالات ذات صلة يستحق الاطلاع عليها
