يسعى قطاع العقارات إلى إعادة تشكيل طريقة عمله جذريًا، مستفيدًا من تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء. غير أنّ جوهر التحوّل الرقمي (DX) لا يكمن في إدخال هذه التقنيات بحدّ ذاتها، بل في إعادة تعريف القيمة التي لا يستطيع تقديمها سوى الإنسان، وتعظيمها إلى أقصى حدّ. يستعرض هذا المقال واقع التحوّل الرقمي في قطاع العقارات الياباني، والإمكانات الجديدة التي يفتحها التعاون بين التقنية والإنسان، مع الإشارة إلى ما يوازيه من تحوّلات في أسواق العقار بدول الخليج.
إلى أيّ مدى وصل التحوّل الرقمي في قطاع العقارات؟
يتقدّم التحوّل الرقمي في قطاع العقارات الياباني بخطى سريعة، من معالجة مشكلة عدم تكافؤ المعلومات إلى التسعير بالذكاء الاصطناعي. ونتيجة لذلك، يتحوّل دور الوسيط العقاري من «ناقل للمعلومات» إلى «صانع للقيمة».
لطالما اعتزّ قطاع العقارات الياباني لعقود طويلة بأساليب تقليدية: التفاوض وجهًا لوجه، والعقود الورقية، والتسعير القائم على الخبرة الشخصية أكثر من البيانات. وكانت لهذا النهج قيمته الفعلية، إلا أنّ التسارع الشديد في التحوّل الرقمي بالمجتمع الياباني فرض على القطاع أن يتغيّر. ومن المفيد هنا أن يلاحظ القارئ الخليجي أنّ أسواقًا عقارية عديدة في المنطقة سبقت اليابان إلى هذا التحوّل بسنوات: فمنظومات مثل «إيجاري» في إمارة دبي و«إيجار» في المملكة العربية السعودية جعلت تسجيل عقود الإيجار إلكترونيًا أمرًا إلزاميًا منذ فترة، بينما لا يزال الانتقال عن الورق والختم الشخصي التقليدي في اليابان في مراحله الأولى.
في الماضي، كان مجرّد امتلاك معلومات عن عقار ما يمثّل قيمة بحدّ ذاته، أمّا اليوم فبإمكان أيّ شخص الوصول إلى كمّ هائل من بيانات العقارات عبر الإنترنت. فبفضل انتشار مواقع البحث العقاري، أصبحت المعلومات التي كانت حكرًا على شركات العقارات متاحة للجمهور على نطاق واسع، ما أدّى إلى تراجع كبير في فجوة المعلومات بين الوسيط والعميل — وهو ما يشبه إلى حدّ بعيد الأثر الذي أحدثته البوابات العقارية الرقمية الكبرى في الإمارات والسعودية من حيث شفافية الأسعار والمعروض المتاح.
علاوة على ذلك، أدّى استخدام أنظمة التسعير المعتمدة على الذكاء الاصطناعي إلى قفزة نوعية في دقة تقييم العقارات. فبعد أن كان التقييم التقليدي يعتمد بشكل كبير على سوابق تاريخية وقواعد خبرة شخصية، بات بإمكان الذكاء الاصطناعي اليوم تحليل بيانات السوق لحظيًا، مع مراعاة البيئة المحيطة واتجاهات الطلب، لتقديم تقييم أكثر دقة. هذا التحوّل يرفع من شفافية القطاع، لكنّه في المقابل يفرض على المتخصّصين العقاريين تقديم قيمة مضافة جديدة، تمامًا كما يطالب الملاك والمستثمرون في الخليج، المعتادون على تقارير تقييم رسمية معتمدة، بمستوى أعلى من الشفافية والدقة في كل معاملة.
كيف تُغيّر التقنية طبيعة العمل العقاري؟
التقنية ليست مجرّد أداة مريحة، بل قوة قادرة على تحويل نموذج العمل بأكمله. فأتمتة المهام الروتينية تتيح للإنسان التفرّغ لأعمال ذات قيمة مضافة أعلى.
تأسّست شركة INA عام 2020، وهو العام الذي تزامن مع جائحة كورونا. وفي خضمّ تلك الأزمة غير المسبوقة، غيّرت الشركة زاوية نظرها، وبادرت مبكرًا إلى اعتماد التفاوض والمعاينة عن بُعد. كما تبنّت بجرأة تقنيات وخدمات لم تكن شائعة حينها، مثل الجولات الافتراضية للعقارات وإجراءات التعاقد عن بُعد. ولمن يتابع الأمر من الخليج، يبدو هذا المسار مألوفًا: فقد سرّعت الجائحة أيضًا اعتماد المعاينات الافتراضية والتوقيع الرقمي في أسواق دبي والرياض والدوحة، وإن كانت الأطر التنظيمية هناك، مثل منظومة «إيجاري»، قد مهّدت الطريق لذلك مسبقًا.
يهدف التحوّل الرقمي في قطاع العقارات أساسًا إلى رفع كفاءة العمل وزيادة رضا العملاء. فمن خلال رقمنة الأعمال الإدارية المعقّدة، يستطيع المتخصّصون العقاريون التفرّغ لمهام ذات قيمة مضافة أعلى. ومن المتوقّع أن تتوسّع أتمتة المهام الروتينية أكثر فأكثر، مثل إعداد العقود تلقائيًا بالذكاء الاصطناعي والاستجابة الأولية عبر روبوتات المحادثة.
ما القيمة التي لا يستطيع تقديمها سوى الإنسان؟
في العصر الرقمي، تتمثّل القيمة الحصرية للإنسان في ثلاثة عناصر: القدرة على التعاطف، والقدرة على الإبداع، والقدرة على بناء علاقات الثقة. فالذكاء الاصطناعي قادر على تحليل البيانات، لكنّه عاجز عن مرافقة العميل في قرارات مصيرية تخصّ حياته.
يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل كمّ هائل من البيانات واستخلاص الحلول المثلى من الأنماط السابقة. غير أنّه لا يستطيع استشعار الرغبات والمخاوف التي يعجز العميل عن التعبير عنها بالكلمات، ولا مرافقته في قرارات حياتية مصيرية. فـ«المنزل» ليس مجرّد بناء مادي، بل يحمل قيمة عاطفية تتمثّل في الأحلام والآمال والشعور بالأمان وذكريات العائلة. وهذا البعد الوجداني لا يستطيع فهمه والتعامل معه سوى الإنسان. ويدرك القارئ الخليجي هذا المعنى جيدًا: فقرار شراء «بيت العائلة» أو الانتقال إلى مسكن جديد قرار تتشابك فيه الاعتبارات الاجتماعية والعائلية مع الاعتبارات المالية، تمامًا كما هو الحال في اليابان.
على مدى سنوات طويلة من العمل في قطاع العقارات، شهدنا كثيرًا ممّن يبذلون جهدًا كبيرًا في الميدان دون أن يُقدَّروا أو يُكافَأوا بشكل عادل. وعلى وجه الخصوص، في قطاعي البناء وإدارة العقارات، جعلت البنية متعدّدة الطبقات من المقاولين الرئيسيين والمقاولين من الباطن إسهامات العاملين الميدانيين أقلّ وضوحًا. ومن هذا الإحساس بالمشكلة، انطلقت رغبة قوية في «تحقيق مجتمع يُكافأ فيه من يبذل جهدًا حقيقيًا بشكل عادل»، وهي الرغبة التي أسّسنا عليها شركة INA.
يمثّل التحوّل الرقمي أداة قوية لتحقيق هذه الفلسفة. فارتفاع كفاءة العمل بفضل التقنية يتيح تخصيص مزيد من الوقت والجهد لـ«خلق القيمة التي لا يجيدها إلا الإنسان».
أيّ قيمة جديدة يولّدها التعاون بين الذكاء الاصطناعي والإنسان؟
الذكاء الاصطناعي والإنسان ليسا طرفين متنافسين، بل شريكان يستفيد كلّ منهما من نقاط قوة الآخر. والنظر إلى التقنية باعتبارها «توسيعًا لقدرات الإنسان» لا «بديلًا عنه» هو مفتاح خلق قيمة جديدة.
على سبيل المثال، تستطيع أنظمة مطابقة العقارات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تحليل رغبات العميل وسجلّ تصفّحه لاقتراح العقار الأنسب له. وهذا يتيح للمتخصّص العقاري التركيز على رفع جودة الحوار مع العميل، والتفرّغ لتقديم استشارة أعمق تأسيسًا على فهم أدقّ لاحتياجاته، وهو نهج يلقى صدى واسعًا لدى مستثمري الخليج الذين يفضّلون غالبًا علاقة استشارية شخصية طويلة الأمد مع الوسيط، لا مجرّد معاملة عابرة.
الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء يشكّلان الأرضية التي تتيح للإنسان إطلاق العنان لإبداعه وقدرته على التعاطف إلى أقصى درجة.
ما ملامح الكفاءات البشرية المطلوبة في العصر الرقمي؟
لا يقتصر ما يحتاجه المتخصّص العقاري في عصر التحوّل الرقمي على المعرفة التقنية، بل يشمل أيضًا المرونة في التكيّف مع التغيير والرغبة المستمرّة في التعلّم. ويُعدّ تطوير كفاءات بشرية تجمع بين مهارة الحوار والتعاطف والتفكير الإبداعي أمرًا محوريًا.
تولي INA اهتمامًا كبيرًا بتطوير كفاءات بشرية لا تقتصر على المهارات التقنية البحتة، بل تجمع أيضًا بين مهارة الحوار مع العملاء والتعاطف والتفكير الإبداعي. ومن خلال مبادرات تجمع بين خلق فرص عمل في المناطق البعيدة عن العاصمة ورفع كفاءة العمل، ركّزت الشركة على بناء منصّة تربط بين الكفاءات الكامنة في الأطراف الإقليمية واحتياجات المدن الكبرى، وهو ما يوازي إلى حدّ ما مساعي تنمية الكوادر الوطنية وتوطين الوظائف التي تتبنّاها خطط التنمية الاقتصادية في عدد من دول الخليج.
تشير إحدى الدراسات إلى أنّ 98.4% من شركات العقارات ترى ضرورة الدفع بالتحوّل الرقمي. غير أنّه في حالات ليست بالقليلة، تسبق التقنية تطوير الكوادر البشرية القادرة على استخدامها بكفاءة. فالتقنية في نهاية المطاف وسيلة، أمّا محور العملية فهو دائمًا «الإنسان». ومهما تعمّقت الرقمنة، فإنّ الثقة والدفء في العلاقات الإنسانية لن يفقدا بريقهما أبدًا.
ما المستقبل الذي تسعى INA إلى تحقيقه في عصر التحوّل الرقمي العقاري؟
مستقبل الوسيط العقاري لن «ينتهي» بفعل التحوّل الرقمي، بل «يُعاد ولادته». فمن خلال تبنّي التقنية بجرأة وتقديم خدمة تفوق توقّعات العملاء، يستطيع القطاع أن يرتقي إلى مرحلة جديدة كليًا.
إنّ ارتفاع كفاءة العمل بفضل التحوّل الرقمي، وما يتيحه من تركيز أكبر على الأعمال ذات القيمة المضافة العالية، يصبّ مباشرة في تحقيق فلسفة تأسيس INA: «بناء نظام يُقدَّر فيه الجهد ويُكافَأ بعدالة». والتقنية حليف قوي لتحقيق فلسفة «السعي وراء سعادة جميع الأطراف المعنية».
من خلال التعاون بين الإنسان والتقنية، يمكننا معًا بناء قطاع عقاري أكثر شفافية وعدالة، وأقرب إلى الناس وأكثر جدارة بالثقة. والأهمّ من ذلك كلّه ألا ننسى أنّ محور هذا التحوّل يظلّ دائمًا «الإنسان». فالتحوّل الرقمي ليس غاية في حدّ ذاته، بل وسيلة لتحقيق «مجتمع يستطيع فيه كلّ إنسان أن يتألّق».
أسئلة شائعة
س: ما المقصود بالتحوّل الرقمي (DX) في قطاع العقارات؟
التحوّل الرقمي العقاري يعني الاستفادة من تقنيات رقمية مثل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والواقع الافتراضي لإعادة تشكيل عمليات القطاع ونموذج أعماله. والهدف ليس رفع الكفاءة فحسب، بل أيضًا تحسين تجربة العميل وخلق قيمة جديدة.
س: هل سيؤدي تطوّر الذكاء الاصطناعي إلى الاستغناء عن الوسيط العقاري؟
لن يحدث ذلك. فالذكاء الاصطناعي يتفوّق في تحليل البيانات وأتمتة المهام الروتينية، لكنّه لا يستطيع تعويض «القيمة التي لا يقدّمها إلا الإنسان»، المتمثّلة في التعاطف مع مشاعر العميل وبناء علاقة ثقة معه. بل على العكس، يتيح استخدام الذكاء الاصطناعي للإنسان التفرّغ لأعمال أعلى قيمة مضافة.
س: ما أكبر تحدٍّ يواجه الدفع بالتحوّل الرقمي في قطاع العقارات؟
التحدّي الأكبر ليس إدخال التقنية بحدّ ذاتها، بل تطوير الكوادر البشرية القادرة على استخدامها بكفاءة. فإلى جانب المعرفة التقنية، يُعدّ بناء كوادر تتحلّى بالمرونة في مواجهة التغيير والتعاطف مع العميل مفتاح النجاح.
س: هل يمكن لشركات العقارات الصغيرة والمتوسطة تحقيق التحوّل الرقمي؟
نعم، ذلك ممكن. فحتى بدون استثمارات ضخمة في الأنظمة، يمكن البدء تدريجيًا بأدوات سهلة التبنّي نسبيًا، مثل المعاينة عبر الإنترنت وإدارة العقود السحابية. والمهمّ ليس حجم التقنية المستخدمة، بل الوعي بهدف رفع القيمة المقدَّمة للعميل.
