عند التفكير في تغيير الوظيفة أو اتخاذ قرار مهني في بيئة الأعمال المعاصرة، يميل كثيرون إلى التركيز على نوع الوظيفة أو مستوى الراتب. غير أن ما يهم حقاً هو سؤال "مع من ستعمل".
يشرح هذا المقال، مستنداً إلى بيانات وأمثلة واقعية، مدى تأثير علاقات العمل في مكان العمل على نمو الفرد ونجاح المؤسسة.
إلى أي حد تؤثر علاقات العمل في النتائج الفعلية؟
علاقات العمل في مكان العمل ليست مجرد مسألة راحة شخصية، بل قضية إدارية جوهرية ترتبط مباشرة بالإنتاجية والإبداع.
وفقاً لدراسة أجراها اتحاد أبحاث العمل الياباني، فإن 32.1% فقط من الموظفين يشعرون بأن علاقات العمل في مكان عملهم "جيدة". وتظهر الفروق العمرية أن الفئة العمرية في العشرينيات هي الأعلى نسبةً بـ38.6%، بينما تسجل الفئة العمرية في الأربعينيات أدنى نسبة بـ27.7%.
والأهم من ذلك هو مفهوم "الأمان النفسي" الذي توصل إليه فريق بحثي في شركة جوجل، حيث تبيّن أن رفع مستوى الأمان النفسي يحسّن أداء الفريق وقدرته الإبداعية.
وفي المقارنة مع أسواق العمل الخليجية، حيث تشير استطلاعات محلية إلى أن الرضا عن بيئة العمل يتفاوت بشكل كبير بين القطاع العام والخاص، فإن مفهوم الأمان النفسي لا يزال حديث التداول نسبياً في كثير من الشركات الإقليمية مقارنة بانتشاره في اليابان وأمريكا الشمالية.
ما قيمة بيئة العمل من منظور الاستثمار في "الأصل البشري"؟
عندما ننظر إلى الموظف باعتباره أهم أصول المؤسسة، تصبح جودة بيئة العمل مرتبطة مباشرة بقيمة الشركة. وتجدر الإشارة إلى أن اليابانية تفرّق بين كتابتين متجانستين في النطق: "جينزاي" التقليدي (人材) الذي يعني حرفياً "مورد بشري" قابلاً للاستبدال، و"جينزاي" (人財) الذي يعني "أصلاً أو ثروة" يُستثمر فيها. وهذا التمييز اللغوي، الذي لا مقابل له في العربية، هو ما تبني عليه شركتنا فلسفتها.
وهناك ثلاثة عناصر بالغة الأهمية.
العنصر الأول هو بناء الثقة المتبادلة. ففي مكان العمل الذي تتوطد فيه علاقات الثقة، يزدهر تبادل المعلومات وتتسارع وتيرة حل المشكلات.
والعنصر الثاني هو احترام التنوع. فتعاون أفراد من خلفيات وتخصصات مختلفة يجعل الابتكار أكثر احتمالاً.
والعنصر الثالث هو توفير فرص النمو. فالموظفون المتميزون يبحثون عن بيئة تتيح لهم الشعور بنموهم الشخصي.
إلى أي مدى يرفع العمل الجماعي الإنتاجية فعلياً؟
وفقاً لبحث أجراه معهد الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني للبحوث (RIETI)، فإن العمل الجماعي الفعّال يرفع الإنتاجية بنسبة 7.6%.
وتظهر آثار العمل الجماعي بوضوح في الجوانب التالية.
ففي تبادل المعرفة والاستفادة منها، حين تُستثمر خبرة كل فرد على مستوى المؤسسة بأكملها، ترتفع جودة حل المشكلات وسرعته. وفي توزيع المخاطر وتخفيفها، فإن دراسة الأمور من زوايا متعددة تتيح اكتشاف المخاطر التي يسهل إغفالها مسبقاً. وفي الرفع المتبادل للحافز، فإن العمل إلى جانب زملاء متميزين يرفع الدافعية الشخصية بشكل طبيعي.
| مجال الاستثمار | الأثر قصير الأجل (خلال سنة) | الأثر طويل الأجل (بعد ثلاث سنوات فأكثر) |
|---|---|---|
| تنمية الأصل البشري | تحسّن المهارات، ارتفاع الحافز | تحسّن قدرة المؤسسة، ترسيخ الميزة التنافسية |
| تحسين بيئة العمل | ارتفاع الرضا، انخفاض معدل الاستقالة | ترسيخ الثقافة المؤسسية، ارتفاع قيمة العلامة |
| بناء الفريق | تحسّن التواصل | ارتفاع القدرة على الابتكار |
ما النهج العملي لبناء بيئة عمل جيدة؟
مفتاح النجاح يكمن في رفع جودة التواصل، ومشاركة الأهداف، والاستفادة من نقاط قوة كل فرد، وتوفير فرص تعلّم مستمرة.
رفع جودة التواصل هو العنصر الأساسي والأهم. ويشمل ذلك عقد اجتماعات دورية للفريق، وتعزيز الحوار المفتوح، وترسيخ ثقافة التغذية الراجعة.
كما لا غنى عن مشاركة الأهداف وتوضيحها. فحتى يتجه الفريق بأكمله نحو اتجاه واحد، لا بد من صياغة أهداف يمكن للجميع التماهي معها.
ومن خلال إدراك نقاط قوة كل فرد والاستفادة منها، يستطيع كل عضو أداء الدور الذي يبرز فيه أقصى طاقاته. وهذا يرتبط أيضاً بمفهوم العلامة الشخصية.
ما الأثر طويل الأجل للاستثمار في الأصل البشري على قيمة المؤسسة؟
يشكّل تراكم رأس المال البشري أساساً لنمو المؤسسة المستدام، وعامل تميّز عن المنافسين.
حين يظل الموظفون المتميزون فترة طويلة يسهمون في المؤسسة، تتراكم المعرفة والمهارات على مستوى التنظيم بأكمله. وحين تُشكّل بيئة العمل الجيدة ثقافة خاصة بالمؤسسة ويرثها الموظفون الجدد، يظل الشعور بالانتماء والاتجاه الموحد قائماً في المؤسسة بأكملها.
خلاصة
علاقات العمل في مكان العمل عنصر أساسي يؤثر مباشرة على نمو الفرد ونجاح المؤسسة. وبيئة العمل الجيدة هي الأساس الذي يرفع الإنتاجية، ويولّد الابتكار، ويدعم النمو المؤسسي المستدام.
حين ننظر إلى الأصل البشري باعتباره أهم أصول المؤسسة، ونسعى إلى نمو ورفاهية كل من يرتبط بها، نكون على يقين من قدرتنا على خلق قيمة مؤسسية حقيقية. وحين تفكر في تغيير وظيفتك أو مسارك المهني، نأمل أن تولي اهتماماً لسؤال "مع من ستعمل".
الأسئلة الشائعة
س1: إذا كانت علاقات العمل سيئة، كيف يمكن تحسينها؟
ابدأ بمراجعة أسلوبك الشخصي في التواصل. فهم موقف الطرف الآخر والسعي إلى حوار بنّاء يسهمان في التحسين. وإذا استمرت الصعوبة، فمن المهم أيضاً استشارة المدير المباشر أو إدارة الموارد البشرية.
س2: كيف يمكن تقييم بيئة العمل عند تغيير الوظيفة؟
خلال المقابلة، تحقق من مدى الاهتمام بالعمل الجماعي، وتكرار التواصل، ومعدل بقاء الموظفين. ويُنصح، إن أمكن، بطلب جولة فعلية في مكان العمل أو مقابلة مع موظفين حاليين.
س3: هل توجد طريقة لقياس أثر الاستثمار في الأصل البشري؟
يمكن قياس الأثر من خلال المتابعة الدورية لاستطلاعات رضا الموظفين، ومعدلات الاستقالة، ومؤشرات الإنتاجية. كما يُعد تقييم الـ360 درجة واستطلاعات الارتباط الوظيفي أداتين فعّالتين أيضاً.
